أرشيف الأوسمة: مجلة الحوادث

المستقبل الغامض

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

23 حزيران 1995

عدد 2016

منير هو شاب عربي في الأربعين من عمره. وصل إلى كندا منذ أكثر من عشرين عاماً. وكأي مهاجر جديد واجهته صعوبات جمة ووجد الفارق الكبير بين المجتمع العربي الذي جاء منه وبين هذا المجتمع الكندي الغربي والمختلف كليا عا نعهده في المجتمعات العربية على جميع الصعد.

عمل منير في عدة أمكنة وفي شتى المجالات لأنه وجد بأن على المرء أن يعمل في أي مهنة تعرض عليه حتى ولو كان مجازاً ويحمل أعلى الشهادات فالمرء هنا لا يستطيع تفويت أية فرصة تتعلق بالحصول على أي عمل مهما كانت نوعيته. المهم أن منير ظل وعلى مدى سنوات طويلة ينتقل من عمل إلى آخر إلى أن وفقه الله بالحصول على عمل جيد وبأجر مرتفع وذلك في شركة متخصصة بصناعة قطع السيارات في هذه المدينة (وندسور) والتي تعتبر عاصمة صناعة السيارات على مستوى كندا ككل وتنتشر في هذه المدينة المصانع والمؤسسات التي تختص بكل ما يتعلق بصناعة السيارات من المرحلة الأولى للتصنيع مروراً بتجميع كل القطع وصولاً إلى إنجاز السيارات بشكل نهائي وجعلها جاهزة للنزول إلى الأسواق.

المهم أن منير كان سعيداً بعمله هذا وقد مضى على وجوده في هذه الشركة أكثر من 15 سنة وكان ينتقل من الدوام النهاري إلى دوام بعد الظهر ومن ثم دوام منتصف الليل وهكذا دواليك كل أسبوعين توقيت مختلف ولكن العمل واحد على نفس الآلات والمكابس والتي تظل حركتها تتحرك محدثة الضجيج الرهيب وعلى مدى 24 ساعة، أي أن العمل كان يستمر على مدار الساعة.

كانت الآلات تبدو وكأنها تلتهم الحديد والقطع ذات النوعيات المختلفة لتحيلها إلى أشكال وأنواع متفرقة لتذهب وتجمع ضمن ارتال السيارات الطويلة.

لعل الشركة التي يعمل بها منير هي من أكبر الشركات المختصة بقطع السيارات على مستوى المدينة وكانت مساحة الشركة واسعة جداً. وكان يبدوا واضحاً كثرة العمال في هذه الشركة ويستطيع المرء ملاحظة ذلك لدى خروج العمال ودخولهم إلى الشركة عند بدء أو انتهاء كل دوام من دوامات الشركة الثلاثة.

بطبيعة الحال وبعد عدة سنوات من العمل في هذه الشركة شعر منير بأنه من غير الجائر أن يظل يسكن في منزل بالإيجار وعليه أن يؤمن المنزل الخاص تمهيداً لشرائه ودفع أقساطه كل شهر أو كل أسبوعين حسب الاتفاق مع رجل بيع العقارات

وبالفعل بدأ منير وزوجته بالبحث عن بيت المستقبل وأراد منير أن يشتري بيتاً فخماً جداً وفي ناحية راقية جداً من ضواحي المدينة، ربما لشعوره بأنه يملك قسماً من ثمن هذا المنزل وعلى اعتبار أنه يملك عملاً يؤمن له مدخولاً كافياً ويستطيع دفع كل المستحقات الشهرية وكل ما يتعلق بثمن المنزل ودفع الضرائب والمصاريف الأخرى والتي يحتاجها كل منزل وكل عائلة من متطلبات معيشية ضرورية.

أعجب منير بالمنزل الغالي الثمن ووقع العقد لشرائه وظلت الأمور سائرة معه على أحسن ما يرام. نفس الروتين اليومي. فعندما يذهب إلى العمل صباحاً وعند السابعة ، يعود إلى منزله في الثالثة والنصف عصراً وقد أنهكه العمل فيذهب في سبات عميق لابد منه بعد يوم عمل مجهد ويقضي بقية الوقت في متابعة الأوضاع عبر قراءة الجريدة أو مشاهدة التلفزيون.

وعندما يعمل في فترة بعد الظهر وتمتد من الثالثة والنصف وحتى منتصف الليل يعود إلى منزله وقد أنهكه التعب وكذلك الحال عندما يبدأ عمله من منتصف الليل وحتى السابعة من صباح اليوم التالي، إنه نفس الروتين ويبدو أن جسمه قد اعتاد على هذا النمط من الحياة ويظل يوم الأحد هو يوم الراحة الوحيد في الأسبوع، ويجد منير أمامه كل يوم أحد قائمة طويلة من الشؤون والأمور التي تأجلت إلى هذا اليوم على صعيد العمل في المنزل وإصلاح ما هو بحاجة لإصلاح والقيام بالزيارات والأمور الاجتماعية وما إلى ذلك.

وفي صبيحة يوم مثلج ذهب منير إلى الشركة كالمعتاد في ذلك النهار المثلج المترافق مع أشعة الشمس التي أضفت نوعاً من الدفء البسيط في يوم قارس جداً.

وصل منير إلى الباحة الرئيسية ليجد حركة غير عادية فالالات كلها متوقفة عن العمل والهدوء يعم المكان فيما تجمع العمال كل أربع أو خمسة عمال على حدة، والجميع يتهامسون أحياناً بأصوات منخفضة وأحياناً أخرى بأصوات مسموعة فاقترب منير وهو متعجب من هذا الأمر وقال لزميل له: ماذا يجري هنا وماذا حدث؟ فاجأبه بأن مدير الشركة طلب من جميع العمال الاجتماع في ساحة الشركة الرئيسة لأنه سيبلغهم بأمر ما.

ووقف منير مع العمال تمهيداً للاستماع إلى ما سيقوله مدير الشركة وشعر منير بأن أمراً ما قد حصل، وتمتم بينه وبين نفسه يا إلهي هل الشركة ستقفل … ! غير معقول. بدا منير وكأن رجفة وارتعاشه حركت كل جسمه ولم يستيقظ من تفكيره هذا إلا على صوت المسؤول العام عن العمال في الشركة الذي حضر ومع ميكروفون يدوي وطلب من جميع العمال الانصات قليلاً لأن المدير سيتحدث اليهم وأخذ المدير الميكروفون وأبلغ العمال بأنه لأسباب وظروف قاهرة فإن إدارة الشركة قررت إغلاق أبوابها نهائياً وتسريح جميع العمال الذين يربوا عددهم على الخمس مئة عامل وعلل مدير الشركة هذا القرار بأنه لأسباب خارجة عن يده واعتذر لأن الأمر فوق طاقته وخارج عن إرادته.

ظل المدير يتكلم لدقائق معدودة ولكن منير شعر بأن أرض الشركة تدور من حوله وتراجع من بين صفوف العمال وأسند بظهره إلى حائط الشركة ووبدأ يتمتم يا إلهي شيء غير معقول، بعد أكثر من 15 سنة متواصلة من العمل المجهد وجد نفسه في الشارع، دون عمل ودون أي أمل في المستقبل.

شعر منير بلحظات حرجة ربما لا يشعر بها إلا من يمر بهذه التجربة الصعبة إلى أبعد الحدود فما كان منه إلا أن انسحب من بين الصفوف وتوجه بسيارته عائداً إلى منزله، المنزل الذي لم يمض على شرائه أكثر من أشهر معدودة. ماذا سيفعل، كيف سيدفع الأقساط والبنك لا يهمه إذا احتفظ منير بعمله أم لا؟ المهم دفع القسط في تاريخه المحدد وإلا يعمد البنك إلى وضع يده على المنزل والتصرف به. جلس منير وفكر ملياً ماذا سيفعل وما هو الحل. الأولاد يتابعون دراستهم الثانوية، الشركة أقفلت، راودته أمور وأشياء كثيرة متفرقة ومؤلمة.

صعد منير إلى غرفته وبقي طوال النهار لا يكلم أحداً ولا يجيب عن أي سؤال. فقط أمر واحد فعله هو النظر من نافذة المنزل إلى الشمس وهي تستعد للمغيب وقد بدت الغيوم من حولها وأضفت على هذا المشهد الكثير من الجمال والروعة.

ظل منير يحدق بمنظر الشمس وكأنه يقول في قرارة نفسه بأن لكل شيء نهاية في هذه الحياة ولا بد من الغروب، إنها سُنة الحياة ، إنها الحياة!

ظل منير هائماً مفكراً في المستقبل الغامض الذي يواجهه ولكنه ظل متمسكاً بشيء قليل من الأمل، لأنه ما أصعب الحياة وما أضيق العيش لولا تلك الفسحة الضيقة من الأمل.

الأطفال والتلفزيون

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2013

2 حزيران 1995

تتعدد الأسباب والمشاكل في كل بيت والمتهم دائماً هو التلفزيون. نعم التلفزيون هذا الجهاز الخطير الذي يقتحم منازلنا دون إذن أو طلب.

والأطفال وحدهم الضحايا لأنهم يحاولون دائماً وبعقولهم البريئة وطفولتهم المتحفزة للتعرف إلى كل ما يدور في هذا العالم المتفجر والذي لا أدري إلى أين يتجه!

يقضي الطفل في سنوات عمره الأولى الساعات الطويلة أمام جهاز التلفزيون وتكر أمامهم سبحة الساعات المستمرة من البث وخصوصاً في هذه البلاد بحيث تستمر بعض المحطات التلفزيونية ببث برامجها على مدار الساعة أي بمعدل 24 ساعة يومياً، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المحطات العربية. أمام هذا الوضع الخطير جداً بالنسبة للأطفال يوجد سؤال مهم وصعب في نفس الوقت من هو المسؤول عن الوضع: إدارة التلفزيونات؟ الأهل؟ أم المجتمع ككل؟

للإجابة على هذا السؤال وهو سؤال صعب ومعقد في إطار الوصول إلى حل صالح لهذه المعضلة وإذا درسنا هذه المسألة من ناحية سيكولوجية أو نفسية فنلاحظ أن علاقة الطفل بجهاز التلفزيون هي علاقة مؤثرة على كل حركات الطفل وتطال تفكيره وطبيعة علاقاته مع الآخرين لا سيما أن الطفل سيحاول قدر الإمكان تقليد كل ما يشاهده عبر التلفزيون في حياته العادية.

والطفل في حدود العشر سنوات من عمره يصدق كل ما يشاهده ويعتقد بصوابية كل ما يشاهده ويحاول بعقل طفولي بريء أن يحل كل مشهد يراه ونخطئ كثيراً إذا اعتقدنا أن الطفل غير قادر على فهم كل ما يدور أمام الشاشة الصغيرة لا بل ترى بعض الأطفال يتوقعون حدوث أي شيء من خلال مشاهدته وهو ما يحدث فعلاً ويكون هذا الطفل وبعقل طفولي تنبأ مسبقاً بما سيحدث وخصوصاً إذا كان ها الطفل يشاهد برنامجاً يحبه يتعلق بهذا البرنامج بشكل غير عادي وهو أمر يحدث مع أي طفل عن البرنامج التلفزيوني المفضل لديه وسيصله الجواب على الفور. وربما يفكر بعض الناس بأن وجود جهاز التلفزيون هو حتماً وجود مشكلة دائمة مستمرة على الدوام.

والحقيقة إني ألاحظ وبشكل مؤثر طغيان مسألة العنف والقتل والدماء وهو أمر مبالغ فيه سواء على صعيد التلفزيون أو السينما وهو أمر يتعلق بالأرباح المادية البحتة ونلاحظ أن العنف وصل إلى حقل الإعلانات ويستطيع أن شخص ملاحظة هذا الأمر على الشاشة الصغيرة في أي وقت.

وفي واقع الأمر في ظل زحف التلفزيون الرهيب ووجود الصحون الفضائية والتي يستطيع أي شخص عنده جهاز التقاط البث التلفزيوني من متابعة ما يجري في العالم بشكل عام، وهو أمر ربما ترك التأثير على وسائل الإعلام الأخرى فابتعدت الناس عن قراءة الصحف والمجلات والكتب والابتعاد قليلاً عن أجهزة الراديو في عصر الصورة المتحركة والراصدة لكل ما يجري في العالم على مدار الساعة. والطفل بطبعه يستقبل كل شيء بشكل إيجابي وخصوصاً إذا شاهد شيئاً ما على شاشة التلفزيون فإنه وبطبيعة طفولته سيحاول قدر الإمكان تقليد ما شاهده وأذكر في هذا المجار حالة حدثت في لبنان أثناء عرض فيلم (سوبرمان)، وذلك عندما حاول طفل في الخامسة من عمره تقليد هذه الشخصية المزيفة ووقف هذا الطفل على شرفة منزله وهم بالسقوط إلى الشارع محاولاً تقليد سوبرمان ولكن العناية الالهية أنقذت هذا الطفل بواسطة أمه والتي راعها هذا المشهد وتقدمت بكل بطء من خلف هذا الطفل وحملته وأنزلته وبذلك أنقذت حياته من تأثير فيلم أثر على عقله!

وأذكر حادثة ثانية قرأت عنها وذلك سنة 1992 عندما حاول الفتى اللبناني (12 عاما) تقليد منظر شاهده عبر الشاشة الصغيرة وأخذ مسدساً محشواً بالرصاص وأطلق الرصاص على رأسه في غياب ذويه عن المنزل وفي حين استطاعت الأم أن تنقد طفلها ابن الخمس سنوات من القفز عبر النافذة في الحالة الأولى نلاحظ أن الفتى اللبناني أحمد عباس غصن خر صريعاً لأنه كان وحيداً في المنزل وطبعاً عاينت الأجهزة والدوائر الأمنية وأحتل هذا الخبر زوايا لاصحف الداخلية دون أن يكلف أحد من الصحافيين نفسه بالكتابة عن هذا الموضوع على الرغم من أهميته القصوى على كل النشء الصاعد ومستقبله وضرورة إرشاده عبر وسائل الإعلام وتحديداً التلفزيون بدل إضاعة الوقت بعرض أفلام العنف والقتل والجنس!

ووإني ألاحظ أن نسبة عالية من الأهل وبهدف إلهاء الطفل عنهم يعتبرون أن وجود الطفل امام جهاز التلفزيون هو بنسبة الراحة لهم من هذا الطفل وهنا يقع الخطأ الذي قد نقع فيه جميعنا فالكل معرض للخطأ والعصمة لا تكون إلا للأنبياء.

هنا في كندا أثار برنامج تلفزيوني معد للأطفال واسمه (باور رانجرز) أثار هذا البرنامج مشكلة كبيرة في صفوف الأطفال لما يتضمنه من مشاهد عنف وقتل مؤذية للأطفال مما أدى إلى توقف شاشات التلفزة الكندية عن عرض هذا البرنامج. بعد أن وصلت حالات العنف بين الأطفال وخصوصاً في المدارس بحيث شعرت إدارات هذه المدارس في أرجاء كندا بأن العنف المستشري بين الطلاب وخصوصاً الأطفال سببه العنف المستمر في برامج التلفزيون بحيث بدت ملاعب هذه المدارس ساحات عراك مستمرة على الدوام لمحاولة أطفال هذه المدارس تقليد هذا البرنامج وأبطاله في عام 1986، وقد هالني هذا الكم الهائل من البرامج والمسلسلات لاسيما الأميركية وكان الهدف من كل هذه البرامج هو العنف والجنس والقتل، والشيء الغريب بأن توقيت البرامج لم يراع وجود الأطفال في ساعات المساء الأولى بحيث كنت تلاحظ وجود مسلسلات تتضمن العديد من المشاهد المؤذية للطفل في الوقت الذي يكون فيه معظم الأطفال متسمرين أمام جهاز التلفزيون.

وقد بعثت يومها برسالة إلى إحدى المجلات الأسبوعية اللبنانية أناشد فيها القائمين على التلفزيون مراعاة الأصول والقيم رحمة بعقول الأطفال الأبرياء.

ولكن لا حياة لمن تنادي، كان ذلك سنة 1986 فما هي الحال متى عرفنا أن بلد مثل لبنان مساحته أكثر بقليل من عشرة آلاف كيلومتر مربع يوجد فيه أكثر من خمسين محطة تلفزيونية تتبارى بتقديم البرامج العنيفة والمضرة للأطفال.

سواء اكنا هنا أو في لبنان أو أي مكان آخر في العالم يوجد جهاز التلفزيون والضحية دائماً هو هذا الطفل البريء والذي أحاطوه بكل هذا الكم الهائل من المشاهد العنيفة والتي ستؤثر عليه آجلاً أم عاجلاً.

المطلوب ومن أجل كل الأطفال وجود جهاز تلفزيون تربوي بهدف تنمية أحاسيس هولاء الأطفال وهنا أطلقها صرخة تحذير إلى كل الأهل، احذروا من عدو خطير يعيش بينكم وهو التلفزيون والمطلوب الانتباه على الدوام.

قديماً قال جبران أطفالكم ليسوا لكم ، أطفالكم أبناء الحياة.

وأود أن أضيف أنهم أبناء التلفزيون أيضاً فإلى الانتباه لهذا الموضوع الهام والخطير وقبل فوات الأوان ويوم لا تنفع كلمة يا ليتنا !

غربة وشوق

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2018

7 تموز 1995

جلست أتأمل كل شيء من حولي. الطبيعة، الأشجار ، الناس، أرى عظمة الخالق عز وجل في كل إطارات الحياة العديدة.

عادت بي الذاكرة إلى بلدتي الحبيبة الغالية بنت جبيل التي تربض على كتف الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، تعاني الأسر والاحتلال الصهيوني البغيض الذي دنس الأرض الطاهرة بوجوده هناك منذ سنة 1978.

بدت لي تلك المشاهد عن الجنوب الحبيب بشكل عام وكأنه شريط سينمائي يتابعه طفل شغوف لا يعير أي اهتمام لما يحدث حوله إنما يضع كل تفكيره في هذا الشريط لمتابعة مجرياته ومحاولة عدم تفويت أي مشهد من هذا العرض الشيق والأنيس.

تذكرت كل شيء في وطني وبلدتي، البيوت الهادئة الجميلة، الناس الطيبين الكرماء، اللهجة المحلية المحببة، التعاضد والتضامن بين الناس سواء في الأفراج أو الأتراح.

تذكرت كل الأزقة التي كنا نتجول بها، نصول ونجول بين الكروم والأشجار، وبين الصخور والتراب هذا التراب الأحمر وكأنه بلون دم الشهادة القاني الغالي.

أعود إلى واقعي وألتفت إلى حالتنا الحاضرة في هذه الغربة فأجد أن حالات ألا مبالاة والتخبط في أمور سخيفة والهروب إلى الأمام، في هذا المجتمع الذي وبكل أسف شديد أقولها أننا نذوب في خضم هذ المجتمع المبني أساساً على المادة البحتة وليس غير المادة على الإطلاق.

ودور الاغتراب والمغتربين مهم جداً على كل الصعد ولعل أهمها على الإطلاق أن نتذكر شعبنا وأهلنا على الدوام سواء على صعيد الدعم المعنوي والمادي وإقامة الجسور مع الوطن والوقوف مع شعبنا وحقه المشروع في العيش الحر الرغيد أسوة بكل بني البشر في كل أنحاء العالم.

فما هو المانع أن نحوّل غربتنا القاحلة هذه إلى جهود مثمرة ، والحياة بشكل عام هي مد وجزر على جميع الأصعدة، فكم من المغتربين نجحوا في تجاراتهم وصناعاتهم وكتب لهم التوفيق في هذه الحياة وبالمقابل تجد أن البعض لم يحالفهم الحظ والظروف في تحقيق أحلامهم التي رسموها جميلة ، خلابة، قبل التفكير بالهجرة والاغتراب ولكن الرياح جرت بعكس ما تشتهيه السفن وهذا حال الدنيا. هل أعتبر ما يحل لنا في غربتنا على اعتبار أن لكل جواد كبوة ولكل قلم عثرة وأنه لابد لكل فارس من السقوط عن الجواد مهما كان ماهراً وفارسا.

إنها الحياة !!

آن الآوان لكي نخرج من أوهامنا ، وإن نقف ونتأمل من خلال أرواحنا ونفوسنا وأن نميز بين الجد والهزال والحق والباطل.

لنستبدل الدموع والآلام بالابتسامات والفرح. كفانا دموع وأحزان تذرفها عيوننا وتتألم لها قلوبنا.

دعوة لاستبدال الوحدة بالتعاضد والتكاتف عملاً بقول إن يد الله مع الجماعة، المال شيء مهم في هذه الحياة وقد لا نستطيع العيش دون مال الذي يبدو أنه أصبح عصب الحياة، ولكن ما هو تعريفنا للإنسان الغني وللإنسان الفقير؟

هل الإنسان الغني هو الذي يملك المال الوفير والحسابات الكثيرة في المصارف المتعددة؟

وماذا عن الشعور والإحساس والأخلاق وهل أصبح الأمر أن نحكم على أي شيء من خلال ماله لا أخلاقه وسلوكه في هذه الحياة؟

فلنخدم أهلنا وأوطاننا دون أي تزييف أو رياء. ويعجبني مثل عامي في لبنان يقول:

الشجرة التي تبخل حتى بظلالها على الأرض من الأفضل قطعها!

لنتأمل أيها الأحبة عظمة الباري عز وجل بالإضافة إلى هذا السر في عظمة الخالق وأينما التفتنا نجد عظمة ومقدرة الله تعالى.

يجب أن لا ندع غيوم الكراهية والحقد والتباعد تظلل على شمس الحقيقة والحب الساطع. لنشجع أي طاقة أو موهبة تخرج من صفوفنا في هذه الغربة وصدقوني ان أي نجاح لأي فرد منا هو نجاح للجميع، صدقوني إنها الحقيقة بعينها!

لنتعامل بمنطق الأخوة وهل يوجد أجمل من كلمة أخ وما تحمله هذه الكلمة من معاني سامية ومؤثرة.

لننظر إلى السماء نراها صافية مشعة بنور الحقيقة، لو ارى ذلك اليوم التي تنقشع فيه تلك الغيمة السوادء من أمام وجوهنا في سبيل مستقبل ناصع وحالم.

لنتوجه جميعاً في أعمالنا وتطلعاتنا إلى الباري عز وجل نسأله التوفيق والنجاح في كل أعمالنا. لا أدري عن أي وصف للغربة أتكلم؟ هل أردد مع رشيد نخله ما قاله “اللبناني كبعض أنواع الشجر، من ذلك الذي لا تطيب له الحياة إلا في تربته، فإذا هو نقل إلى غيرها، لوى عنقه من هم الفصال أو مات فوق جذعه”.

لن نقضي حياتنا في العذاب والهم والوقوف على الأطلال لننظر إلى الحياة بمنظور مختلف على اسس المحبة والتكاتف والخير.

وأنا أكتب هذه الكلمات تنطلق أغنية عبر المذياع بصوت سفيرتنا إلى النجوم أو سفيرة النجوم إلينا السيدة فيروز:

يا جبل البعيد خلفك حبايبنا

بتموج متل العيد وهمك متاعبنا

لنتمسك بالأمل لأنه ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

الحسد والحسادون

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2011

19 آيار 1995

ترددت في بادئ الأمر قليلاً عندما أمسكت القلم وأردت أن أكتب عن موضوع أصبح مع الأسف الشديد شيئاً ملازماً لمجتمعات الجالية العربية أقله على مستوى المدينة التي نعيش فيها وهي وندسور. الموضوع الذي سأتناوله هو موضوع الحسد.

فمع الأسف الشديد أقولها مجدداً أصبحت الأحظ مؤخراً أن موضوع الحسد قد استشرى عند بعض الناس من المغتربين العرب في هذه البلاد، فالتلميذ في مدرسته أو جامعته إذا حصل على نتائج جيدة في دراسته يكون مثار الحسد من البعض، ورجل الأعمال الناجح إذا وفقه الله في عمله يكون أيضاً مثار حسد الآخرين وهكذا دواليك.

مما لا شك فيه بأن الحسد معضلة صعبة الحل ولا بد أنه موجود في جميع المجتمعات سواء اعترفنا بهذا الواقع أو لم نعترف. وإني لا أدري بالضبط لماذا تتكون عند أي فرد مسألة مزاولة الحسد بحق الآخرين؟

والحسد درجات متفاوتة قد تبدأ من حسد الطفل الصغير لطفل آخر على لعبة يحملها أو شيء يأكله، لتصل إلى المجتمع المخملي كما يسمى فهناك أناس كثييرون وصلوا ربما إلى مستويات عليا أو مراكز مرموقة ولكنه داء الحسد العضال ظل يرافقهم حتى في ظل وجودهم في مراكز القرار على سبيل المثال فإن غريزة الحسد تظل متحركة عنده ضد الآخرين على أشياء سخيفة جداً بحق الآخرين.

هل لكم أن تتصوروا معي مجتمع قائم بذاته يسوده الحسد والنميمة؟ قد ينجح إنسان ما بعمل يقوم به أو جهد متميز حققه دون الآخرين، وقد يكون هذا الإنسان نظيف الكف عفيف اللسان لا يريد النزول إلى مستوى ضعيف من التعامل المسيء مع الآخرين، ترى أنه يتعرض لسهام من الحسد والنميمة من بعض الناس لا لذنب ارتكبه إلا لأنه نجح وحقق شيئاً معيناً سواء على مستواه الشخصي أم على صعيد المجتمع ككل.

وقانا الله تعالى جميعاً شر الحسد والحساد لان الإنسان الحاسد يتحول إلى شخص فاقد لكل مميزاته الإنسانية وتتغلب على نفسه تلك الرغبة القاتلة في حب الذات والكره للآخرين. ولأنه ممكن أن يكون في موقع عال أو مركز مرموق ولكن الحسد يعمي بصره وبصيرته فينقض على كل إنسان طموح ليهزمه ويقطع عليه الطريق للوصول إلى النجاح في هذه الحياة، إنها قمة درجات الحسد تحصل في هذه الحالة. قد يقول قائل إن الانسان طموح بطبعه ويجب أن لا تقف أية عوائق أمام هذا الطموح والرغبة في الوصول إلى ما يتمناه كل مرء، نعم أقول لكل إنسان الفرصة في النجاح والاجتهاد في سبيل مستقبل أفضل ولكن ليس على حساب الآخرين كأن يعمل أي شخص في شركة ما فيناصب العداء لزملائه وتكون طريقته في العمل اللجوء إلى الوشاية وفبركة الأضاليل ضد الآخرين لكي يحوذ على تهنئة من رب العمل مقابل عمله هذا إنها طريقة غير أخلاقية وبعيدة كل البعد عن التعامل الإنساني بين أبناء البشر.

من أجمل الحكم التي تناولت الحسد وتعجبني حكمة أعرفها وكنت أشاهدها منذ طفوتلي داخل سيارات الأجرة والحافلات العمومية في الدول العربية كافة والحكمة تقول:

“لله در الحسد ما أعد له بدأ بصاحبه فقتله”

اللهم نسألك أن تبعد عنا جميعاً شر الحسد والحاسدين في حياتنا اليومية لما فيه الخير للبشر وكل البشر في أرجاء هذه المعمورة الواسعة.

حول الزجل اللبناني

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2009

5 أيار 1995

يعتبر الشاعر الزجلي اللبناني زين شعيب أبو علي من أهم ركائز هذا النوع من الشعر الزجلي على صعيد الوطن الحبيب لبنان والوطن العربي.

هذا الشعر والزجل الذي يعتمد على التباري بين الشعراء وصولاً إلى الكلمة الطيبة والشعر الزجلي الموزون، على هذه الخطى فتح زين شعيب عينيه ويقول عن بدايته: “وعيت على هذه الدينا وأنا أتعشق الشعر وأقوله، وكنت أقدم طعامي في المدرسة إلى من يعلمني مقطع من الشعر”. لفت الشاعر زين شعيب الأنظار والانتباه إليه وهو في سن الرابعة عشرة من عمره أثناء حفلة زجل أقيمت في مدينة النبطية لجوقة شحرور الوادي وكانت الحفلة تضم الشاعر اللامع علي الحاج الذي كان قد سمع عن زين شعيب أبو علي وعرف عنه ذكائه الشديد وسرعة بديهته ولاسيما أن زين شعيب حمل لقب (أبو علي) منذ صغره فأراد الشاعر علي الحاج أن يداعب أبو علي ويتحداه في الشعر قائلاً:

يا زين عود الزين رمح المرجلي

من نصلتو عتم الليالي بينجلي

تمرجل وجول بكل ساحات البشر

بس أوعى تخشى عاساحة علي

وفي هذه اللحظات تعالت الهتافات من الجمهور الذي طلب من زين شعيب أن يرد على علي الحاج فصعد أبو علي إلى المنبر وارتجل ردة من الشعر على نفس الوزن والقافية وقال:

يا علي عابو علي لا تعتلي

ساحة علي التلتين بالطابو إلي

صرلك عكرسي الشعر 50 عام

وبعدك علي ما صار اسم أبو علي

وها هتف الجمهور بالتصفيق الحاد، فما كان من الشاعر علي الحاج إلا أن ضمه إلى صدره وهنأه على هذا الجواب.

بعد هذه الحفلة مباشرة ذاع صيته بين متذوقي الشعر وهو في سن الرابعة عشرة من عمره، وكان له الفضل في ذلك الوقت في تأسيس جوقة الجنوب العاملي مع الشاعر خليل روكز من بلدة وادي الليمون والشاعر عبد الجليل وهبي من بلدة حاروف العاملية ، وزين شعيب من بلدة الشرقية قرب مدينة النبطية وقد اشتهرت هذه البلدة بكثرة شعرائها أسوة بكل قرى جبل عامل الأشم، هذا الجبل الصامد بوجه العدو الصهيوني الذي ما برح يقدم شعراً ودماً ومقاومة. عمل زين شعيب مع فرقة زعلول الدامور فترة طويلة من الزمن ولا أدري لماذا حصل الانفصال الفني بين زغلول الدامور وزين شعيب لأن وجودهم في جوقة واحدة كان يضفي اللذة والحماس لكل متذوقي الشعر.

عمل زين شعيب على تطوير أشياء كثيرة في الزجل وذلك بزيادة أبيات الردة إلى أربعة وأحياناً ستة رادت لتصل إلى ثماني ردات دفعة واحدة، وعرف عن أبو علي أنه اتجه بالشعر الزجلي إلى الاهتمام بالآم الناس ومعاناتها اليومية مع الحياة، وعبر عن هذه الأحاسيس في مطلع عام 1959 وذلك لدى افتتاح تلفزيون لبنان الذي افتتح بحفلة زجل لجوقة زغلول الدامور.

يتمتع الشاعر زين شعيب برحابة صدر عالية وفتح قلبه لجميع الشعراء المبتدئين وغدا كأنه مرجعاً في مجال الشعر والزجل.

لم تقتصر شهرة أبو علي وزملائه من الشعراء الآخرين على لبنان والوطن العربي فحسب بل تعدتها إلى أرجاء المعمورة الواسعة وصولاً إلى القارات الخمس بحيث لا تخلو أي مدينة في جميع أرجاء العالم من وجود الاغتراب اللبناني خاصة والعربي الشقيق بشكل عام.

اعتز الشاعر زين شعيب أبو علي بأصله العاملي وفخره بهذا الجبل القهار، ويشهد على ذلك مئات بل الآف الأبيات من الشعر التي تتحدث عن أرض الجنوب ومحبة الوطن الغالي لبنان.

وقد عبر عن ذلك في الكثير من المناسبات وهاهو في مطلع إحدى قصائده أثناء إحدى الحفلات الزجلية في بلده حبوش في جنوب لبنان يقول:

اكتبي بدم الفطاحل يا صحيفي

نزل للحرب بو السطوة المخيفي

وإذا ما بينزل التاريخ ضدو

اندهيلو تراجع الحملة خفيفي

اندهي جنود المنية يستعدو

فئة للذبح فرقة للعليفي

المقابر شهر صرلن ما تغدو

وما غلهن خزب إلا من رغيفي

أنا ابن الجنوب اللي انعدو

رجالو جنود عحدودو الضعيفي

حدود صارت بكدو وجدو

دروع بتكسر سيوف الرهيفي

أنا اللي اجتزت للمريخ حدو

ولمهري نجمة الزهرة مضيفي

الشمس يللي سوالفها اسودوا

انرجعت بنت باخذها خطيفي

وعلى حبوش مد الدهر يدو

وعطاها اربع حروف اللطيفي

نص (ب) نصن (وش) خدو

نزل باسو القمر بوسة نظيفي

وبحرف الحاء حامل سيف حدو

انحمل من بو الحسن أول خليفي

وبحرف الباء بيت المانهدو

حجارو تاصبح كعبة شريفي

وبحرف الواد للشعار ردوا

عمسرح بو علي يأدوا الوظيفي

وبحرف الشين جدي شعيب بدو

الليلة يشكشك رقاب الفوارس

قبل شك التين بعد القطيفي

إضافة إلى الكثير من القصائد التي تمجد الجنوب أرضاً وشعباً وتراباً. وعرف عن الشاعر زين شعيب أبو علي حبه الشديد لشعر الغزل ومرة سألته إحدى السيدات بعد أن نظرت إلى القمر ووجدت نصف القمر مضيء والنصف الآخر مظلم سألته ماذا يوحي له هذا المنظر فبادرها وكأن الجواب كان تحت شفتيه:

يا بدر يا سابح بطوفة مدمعي

سكران جسمي وعند ما شافك وعي

وبمقص عيني قسمت جسمك شقفتين

نصك بقي بالجو والتاني معي

ومن رداته التي اشتهر به:

روحي وروحك يا روحي

روحين بروح

إن راحت روحك يا روحي

روحي بتروح

كنت بحطك عجفوني

كحلة للعين

بس بخاف من عيوني

تصيبك بالعين

وفي مجال الميجانا والعتابا يقول في جملة أخرى:

يا لا ففي الزنار غيرك لم الف

عزرايل من نبلة عيونك لم الف

وخصرك المايل شفت حرفو لام الف

انت الالف واللام المطعوج انا

ويقول في جملة أخرى:

يا سمرا اللي بعيوني انتقلتي

أنا ما قلت بتعب انت قلت

لا تهتمي بوزنك ان تقلت

شو تقلك تقل كحلة عالهداب

ويقول زين شعيب في قصيدة أرسلها لأحد أصدقائه من السفراء اللبنانيين في المغرب العربي وهو السفير جودت نور الدين يقول في هذه القصية:

اقبل العيد وفي جعبته

ذكريات هي أغلى ما لدي

كنت أخفيها فلا أظهرها

حذر اللوعة أن تطغى عليّ

أنت هيجت الذي في أضلعي

فاكتوى منه فؤادي كل كي

فتلفت إلى غرب الدنى

اجتلى الأفاق في نشر وطني

رحم الله زماناً بيننا

وسقى حيا نزلنا خير مي

واحة كان إذا ما عدته

أجد الراحة في ظل وفي

كنت تنسيني همومي والشقا

وتداوي الجرح في لطف خفي

حسبنا تلك الهنيهات التي

هي أغلى، هي أحلى كل شيء

يا صديقي حنت النفس إلى

تلكم الأيام فأرددها إلي

أنت قد عودت أن تبدأني

فتعودت فعدها يا أخي

ولعل أجمل ما سمعت من شعر زين شعيب أبو علي قصيدة له بمناسبة عيد الأم ونال عليها جائزة كبيرة لما تضمنته من تصوير رائع وصميم لعاطفة الأم ويقول فيها:

أمي الجنة تحت اجريك

والعاطفة دمعة بعينيك

من قلبك لحضنك نقل قلبي

وعمري ترعرع بين أيديك

أمي بعيدك بزرع الأزهار

بجنة رضاك عابواب الدار

وبعمل عيوني فراشتين زغار

مراوح هوا يرفوا حواليك

امي إذا اجمعت السنين بعين

وعين مال الكون نقدي ودين

ومن لوح صدري اسحب الك ضلعين

وحق السما ما بيكترو عليك

بعيدك يا أمي اسبحت بالتفكير

شو بجبلك وفضلك عليّ كبير

تمنيت حالي كون طفل زغير

ومن قبل عيدك يسرقوني بيوم

وبيوم عيدك انهدى ليك.

من الشعراء الزجليين إضافة إلى زين شعيب أبو علي هناك زغلول الدامور (جوزيف الهاشم)، طليع حمدان ، أسعد سعيد ، خليل روكز، السيد محمد مصطفى، خليل شحرور ، علي الحاج ، موسى زغيب وغيرهم من عشرات الشعرات الذين أضفوا على الزجل والشعر اللبناني رونقة ونكهة خاصة. ما أجمل اللغة العربية سواء أكانت نثراً أو شعراً أو طرباً.

مهري إن جاع وبدو نخاع

تلات سباع بيكفوني

بمدة باع ملكت مشاع

تلات ارباع المسكوني

حرب السمك

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2008

28 نيسان 1995

احتل موضوع النزاع البحري القائم بين كندا من جهة وإسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة من جهة ثانية المكان البارز في وسائل الإعلام الكندية المقروءة والمسموعة والمرئية.

والقضية بدأت حين منعت السفن الحربية الكندية سفن الصيد الإسبانية قبالة حدود مقاطعة “نيوفنلاند” وحجة كندا في هذا الشأن أن السفن الإسبانية تستعمل الشباك الصغيرة جداً مما يؤدي إلى جرف كل الأسماك الصغيرة والتي يحرم القانون الدولي اصطيادها حسب ما تقول به كندا.

ومن ناحية إسبانيا فماتزال المراكب الإسبانية الخاصة بالصيد تقوم بعملها في اصطياد الأسماء من المياه التي تعتبرها كندا ضمن مياهها الإقليمية وتبرر كندا عدم سماحها بالصيد في تلك المنطقة وبهذه الأعداد الهائلة التي تحصل عليها إسبانيا وباقي دول السوق الأوروبية المشتركة بأنه يوجد خطر فعلي في انقراض الثروة السمكية في تلك المنطقة بشكل جدي.

القضية الآن رفعت إلى الأمم المتحدة وهذه الأخيرة تعمل جاهدة على قاعدة أن لا يموت الذئب وأن لا يفنى الغنم!

كندا أعلنت من جانبها وعلى لسان وزير الثروة المسكية بأن الإسبان والأوروبيين مجتمعين قد اخترقوا قوانين الأمم المتحدة في عمليات الصيد التي تجري في تلك المنطقة من كندا وأضاف الوزير أن على إسبانيا أن تعيد النظر في موضوع الصيد في تلك المنطقة حفاظاً على الثروة السمكية في أعماق البحار.

وقد نظم الوزير الكندي رحلة بحرية من كندا إلى نيويورك إلى ممثلي وسائل الإعلام العالمية وبمن فيهم ممثلي وسائل الإعلام الأوروبية ومن إسبانيا أيضاً شارحاً لهم خطورة الاستمرار في الصيد على هذا المنوال.

أذكر ومنذ دراستي للمرحلة الإبتدائية والمتوسطة في لبنان بأننا كنا نقرأ عن كندا بأنها دولة غنية جداً بالموارد الطبيعية والأخشاب والقمح ومواد مهمة أخرى. وبالفعل بأن الصناعة السمكية في كندا هي من الصناعات الهامة بالنسبة لهذه البلاد ولا سيما متى عرفنا بأن المياه تحيط بكندا من عدة أماكن ولا سيما في منطقة نيوفنلاند بحيث تقول كندا أن حدودها البحرية تمتد في تلك المنطقة في عمق 200 ميل بحري. القضية الآن أمام الأمم المتحدة وقد شاهدت مؤخراً على شاشة التلفزيون الكندي مشاهد عن مواكبة السفن الحربية والبوارج الإسبانية لسفن الصيد وبالمقابل تقول إسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة أن كندا ما تزال تعمل وبواسطة السفن الحربية الكندية على منع سفن الصيد الإسبانية من ممارسة الصيد في المياه التي تقول عنها كندا أنها ضمن مياهها الإقليمية وتدخل ضمن سيادتها فيما تعتبر إسبانيا أن المنطقة التي يصطاد صيادوها بها هي مياه دولية.

ومن المعروف بأن كندا وقعت في الماضي على معاهدة اعتبرها الأوروبيون فرصة سانحة لهم للصيد في تلك المياه المتنازع عليها حالياً، وتكرر المصادر الكندية وبشكل يومي بأنها تشعر بالندم المستمر لتوقيعها على تلك المعاهدة، وبدورها تدق ناقوس الخطر بالنسبة للثروة السمكية بشكل عام.

وبين إصرار كندا على توقيف السفن الإسبانية ، تقول إسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة بأن على كندا أن تسمح لسفن الصيد هذه بالعمل ولو بشكل مؤقت وحى ظهور نتيجة ما ستقوله اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة في هذه القضية والتي تبدو شائكة ومعقدة في ظل إصرار كل جانب على رأيه وأحقيته في صوابية رأيه.

التلفزيون الكندي عرض تقرير مصورعن طبيعة السفن الإسبانية التي احتجزتها البحرية الكندية وقالت بأن هذه السفن هي عبارة عن مصانع لتعليب السمك على الفور، أي أن عملية اصطياد الأسماك تتم بسرعة هائلة ويتم تعبئة السمك في علب جاهزة وعندما تصل هذه السفن غلى الشاطئ الإسباني تكون كميات الأسماك جاهزة للبيع وليست بحاجة للتوضيب والتعليب.

وزير الثروة السمكية الكندية السيد براين توبن يظهر كل يوم على شاشات التلفزة ومن خلال وسائل الإعلام الأخرى يحث الشعب الكندي والدول الأخرى على مساندة كندا في هذا الموضوع وهو تلقى التأييد في هذه القضية من نظيره وزير الثروة السمكية الألماني وكذلك أيده نظيره البريطاني في الوقوف إلى جانب كندا في هذا الموضوع. لا أدري ماذا حل بهذا العالم وأخشى ما أخشاه من نشوب حرب طاحنة بين كندا من جهة وإسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة من جهة أخرى أقله حرب على الصعيد الدبلوماسي.

الكرة الأرضية أصبحت كلها ساحة للصراعات سواء على سطح الأرض أو في أعماق البحار والمحيطات أو عبر الفضاء والأجواء.

لا أدري لماذا تذكرت في هذه اللحظة كلمات للمطرب الفذ صباخ فخري يقول فيها:

صيد العصاري يا سمك يا بني

تلعب بالميه لعبك يعجبني

صيادك ماهر بياعك شاطر

ووجودك نادر محلاك يا بني

لمن ستكون الغلبة في هذا الصراع الدائر لا أحد يدري والانتظار فقط هو سيد الموقف!

الحجاب الإسلامي والغرب

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2004

مجلة نور الإسلام – بيروت

31 آذار 1995

بعد الحملة العنيفة التي شنتها فرنسا وبعض الدول الأوروبية في الأشهر القليلة الماضية حول مسألة الحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات، لاسيما في فرنسا حيث يبلغ تعداد الجالية الإسلامية هناك حوالي 5 ملايين مسلم، يبدو أن حمى العنصرية والانحياز الفاضح قد وصلت بوادرها إلى كندا وإلى مقاطعة كيبك الفرنسية تحديداً حيث بادرت إحدى مدارس مونتريال إلى طرد فتاة تبلغ من العمر 15 سنة، وقد شاهدت فعلاً برنامج خاص عن هذا الموضوع على شاشة شبكة CBC الكندية تحدث عن هذا الموضوع بإسهاب. المهم في هذا الأمر وأنا أعالج هذه المسألة عبر هذه السطور ومع احترامي الشديد لكل الديانات والمثل السماوية التي مانزلت يوماً إلا لما فيه خير ومصلحة البشر على جميع الصعد، ألاحظ بأنه كان المستهدف في هذه الحملة الحجاب الإسلامي دون غيره من مظاهر اللباس بشكل عام في بلد مثل كندا بحيث تلاحظ أن الشخص القادم من البنجاب في الهند يعتمر عمة على رأسه والحال كذلك بالنسبة لليهود فهم يعتمرون القلنسوة على رؤوسهم وهناك العديد من الأمثال الأخرى. لماذا الحجاب الإسلامي إذاً هو المستهدف؟ أعود وأكرر بأنه وأنا أطرح هذا الموضوع على بساط البحث لا أتحيز إلى الدين الإسلامي بشكل عام ولكن مسألة الحجاب وغطاء الرأس هي مسألة مهمة جداً للمرأة في الدين الإسلامي وبالتالي فإن لهذا الأمر مردوداً سلبياً جداً إذا ما استمرت إدارات المدارس في قرارها هذا بطرد كل طالبة مسلمة ترتدي الحجاب الإسلامي.

ضمن البرنامج التلفزيوني الذي شاهدته يسأل المذيع والد هذه الفتاة العربية عن رأيه في هذا الموضوع، فيرد هذا الوالد “بأنه عندما حضر إلى كندا كان يظن أنه بلاد حرية الرأي والمعتقد، ولكنه فوجئ بإدارة المدرسة تطرد إبنته لأنها تلبس الحجاب وهذا ما لم يكن يتصوره أو يخطر بباله على الإطلاق.

وأضاف بأنه يشعر بالحزن الشديد على قرار المدرسة وأنه لا يستطيع أن يفرض على ابنته أن تخلع الحجاب لكي تسمح لها المدرسة بأن تعود إلى دراستها كالمعتاد. ما يحيرني ويؤلمني في هذه البلاد أن نظرتهم ومعرفتهم عنا كعرب ومسلمين جداً سطحية وتعتمد على الصورة المشوهة التي يصورونا بها الإعلام الغربي على الدوام.

إنه أمر مستغرب أن يحصل هذا الأمر في دولة يحتل البند المتعلق بحرية الإنسان في معتقده وتفكيره وبالتالي طريقة ملبسه، يحتل هذا الأمر صدر القانون والدستور الكندي.

لماذا هذا التركيز على مسألة الحجاب الإسلامي لاسيما إن عدة وسائل إعلام كندية من مرئية ومكتوبة ركزت على هذا الأمر ودعت إلى منع كل الطالبات المحجبات من دخول المدارس حتى يخلعن الحجاب. لم أطرح هذا الموضوع لكي أفرق بين الدين الإسلامي والمسيحي لا سمح الله ولكن المسألة تحتاج إلى جهد حثيث لمعالجة هذا الأمر بشكل جدي وصريح. المسألة الآن مازالت محصورة في عدة مدارس في مونتريال ولم تنتشر في جميع أرجاء كندا حتى الآن على المدى المنظور، والمطلوب المزيد من العمل لشرح أهمية الحجاب الإسلامي وغطاء الرأس بالنسبة للمرأة المسلمة، لاسيما في هذه البلاد بحيث للفرد أي فرد الحرية في طريقة تفكيره ومعتقده وبالتالي حريته في ممارسة شعائره الدينية ضمن الأطر والقوانين الكندية المرعية. لم أشاهد طيلة حياتي أي راهبة جليلة سواء في لبنان أو هنا أو أي مكان آخر، إلا وقد لبست الرداء الطويل وغطت رأسها بمنديل مما يضفي عليها الاحترام والمهابة.

المطلوب ترك الإنسان أن يمارس شعائره مثلما يريد لاسيما في هذه البلاد التي تدعي الحضارة والتقدم ليشعر المرء أنه فعلاً حر بما يشاء وقادر على الاحتفاظ بحريته على الدوام.

دعوا كل إنسان أن يمارس شعائرة الدينية كما يرى من ناحية الملبس أو الممارسة على صعيد الحياة اليومية. قرأت مؤخراً مقالاً في إحدى المجلات يشير إلى أن الدين الإسلامي أصبح يحتل المركز الثاني في عدة دول ومنها فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وكندا والبرازيل والأرجنتين وعدة دول أخرى، والحري بهذه الدول أن تحترم هذا العدد الكبير. مشكلتنا في هذه البلاد كعرب ومسلمين بأن صورتنا مشوهة لأن وسائل الإعلام هنا يسيطر على معظمها اليهود، وبالتالي ليس من مصلحة اليهود إظهارنا وكأننا شعب حضاري له تاريخ وتراث عريق.

الدين الإسلامي هو دين علم وتقوى وهو دين الدفاع عن الحق وإزهاق الباطل.

ليس من المسموح أبداً من أي دولة كانت أو علا شأنها أن تتخذ من مسألة الحجاب الإسلامي ذريعة لتهاجم الدين الإسلامي وتنعته بشتى الأوصاف، والمثال على ذلك السيء الذكر الكاتب الفاشل سلمان رشدي الذي وبقدرة قادر تحول من كاتب عامود في إحدى الصحف إلى مثال للجدل بعد أن تجرأ وتعدى بالكلام على أقدس مقدسات المسلمين من خلال كتابه المشؤوم آيات شيطانية.

إلى المزيد من الوعي والانتباه لكل ما يجري ويحدث في عالمنا المتقلب هذا، بالعودة إلى تعاليم الله تعالى المبنية على المحبة والسلام والعدالة، وهو ما أقرته جميع الديانات والأعراف السمانوية في سبيل عالم تسوده العدالة ويرفع من قاموسه كلمات كالقهر والظلم والعدوان.

أملنا بالباري عز وجل كبير، إن الله تعالى على كل شيء قدير.