المستقبل الغامض

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

23 حزيران 1995

عدد 2016

منير هو شاب عربي في الأربعين من عمره. وصل إلى كندا منذ أكثر من عشرين عاماً. وكأي مهاجر جديد واجهته صعوبات جمة ووجد الفارق الكبير بين المجتمع العربي الذي جاء منه وبين هذا المجتمع الكندي الغربي والمختلف كليا عا نعهده في المجتمعات العربية على جميع الصعد.

عمل منير في عدة أمكنة وفي شتى المجالات لأنه وجد بأن على المرء أن يعمل في أي مهنة تعرض عليه حتى ولو كان مجازاً ويحمل أعلى الشهادات فالمرء هنا لا يستطيع تفويت أية فرصة تتعلق بالحصول على أي عمل مهما كانت نوعيته. المهم أن منير ظل وعلى مدى سنوات طويلة ينتقل من عمل إلى آخر إلى أن وفقه الله بالحصول على عمل جيد وبأجر مرتفع وذلك في شركة متخصصة بصناعة قطع السيارات في هذه المدينة (وندسور) والتي تعتبر عاصمة صناعة السيارات على مستوى كندا ككل وتنتشر في هذه المدينة المصانع والمؤسسات التي تختص بكل ما يتعلق بصناعة السيارات من المرحلة الأولى للتصنيع مروراً بتجميع كل القطع وصولاً إلى إنجاز السيارات بشكل نهائي وجعلها جاهزة للنزول إلى الأسواق.

المهم أن منير كان سعيداً بعمله هذا وقد مضى على وجوده في هذه الشركة أكثر من 15 سنة وكان ينتقل من الدوام النهاري إلى دوام بعد الظهر ومن ثم دوام منتصف الليل وهكذا دواليك كل أسبوعين توقيت مختلف ولكن العمل واحد على نفس الآلات والمكابس والتي تظل حركتها تتحرك محدثة الضجيج الرهيب وعلى مدى 24 ساعة، أي أن العمل كان يستمر على مدار الساعة.

كانت الآلات تبدو وكأنها تلتهم الحديد والقطع ذات النوعيات المختلفة لتحيلها إلى أشكال وأنواع متفرقة لتذهب وتجمع ضمن ارتال السيارات الطويلة.

لعل الشركة التي يعمل بها منير هي من أكبر الشركات المختصة بقطع السيارات على مستوى المدينة وكانت مساحة الشركة واسعة جداً. وكان يبدوا واضحاً كثرة العمال في هذه الشركة ويستطيع المرء ملاحظة ذلك لدى خروج العمال ودخولهم إلى الشركة عند بدء أو انتهاء كل دوام من دوامات الشركة الثلاثة.

بطبيعة الحال وبعد عدة سنوات من العمل في هذه الشركة شعر منير بأنه من غير الجائر أن يظل يسكن في منزل بالإيجار وعليه أن يؤمن المنزل الخاص تمهيداً لشرائه ودفع أقساطه كل شهر أو كل أسبوعين حسب الاتفاق مع رجل بيع العقارات

وبالفعل بدأ منير وزوجته بالبحث عن بيت المستقبل وأراد منير أن يشتري بيتاً فخماً جداً وفي ناحية راقية جداً من ضواحي المدينة، ربما لشعوره بأنه يملك قسماً من ثمن هذا المنزل وعلى اعتبار أنه يملك عملاً يؤمن له مدخولاً كافياً ويستطيع دفع كل المستحقات الشهرية وكل ما يتعلق بثمن المنزل ودفع الضرائب والمصاريف الأخرى والتي يحتاجها كل منزل وكل عائلة من متطلبات معيشية ضرورية.

أعجب منير بالمنزل الغالي الثمن ووقع العقد لشرائه وظلت الأمور سائرة معه على أحسن ما يرام. نفس الروتين اليومي. فعندما يذهب إلى العمل صباحاً وعند السابعة ، يعود إلى منزله في الثالثة والنصف عصراً وقد أنهكه العمل فيذهب في سبات عميق لابد منه بعد يوم عمل مجهد ويقضي بقية الوقت في متابعة الأوضاع عبر قراءة الجريدة أو مشاهدة التلفزيون.

وعندما يعمل في فترة بعد الظهر وتمتد من الثالثة والنصف وحتى منتصف الليل يعود إلى منزله وقد أنهكه التعب وكذلك الحال عندما يبدأ عمله من منتصف الليل وحتى السابعة من صباح اليوم التالي، إنه نفس الروتين ويبدو أن جسمه قد اعتاد على هذا النمط من الحياة ويظل يوم الأحد هو يوم الراحة الوحيد في الأسبوع، ويجد منير أمامه كل يوم أحد قائمة طويلة من الشؤون والأمور التي تأجلت إلى هذا اليوم على صعيد العمل في المنزل وإصلاح ما هو بحاجة لإصلاح والقيام بالزيارات والأمور الاجتماعية وما إلى ذلك.

وفي صبيحة يوم مثلج ذهب منير إلى الشركة كالمعتاد في ذلك النهار المثلج المترافق مع أشعة الشمس التي أضفت نوعاً من الدفء البسيط في يوم قارس جداً.

وصل منير إلى الباحة الرئيسية ليجد حركة غير عادية فالالات كلها متوقفة عن العمل والهدوء يعم المكان فيما تجمع العمال كل أربع أو خمسة عمال على حدة، والجميع يتهامسون أحياناً بأصوات منخفضة وأحياناً أخرى بأصوات مسموعة فاقترب منير وهو متعجب من هذا الأمر وقال لزميل له: ماذا يجري هنا وماذا حدث؟ فاجأبه بأن مدير الشركة طلب من جميع العمال الاجتماع في ساحة الشركة الرئيسة لأنه سيبلغهم بأمر ما.

ووقف منير مع العمال تمهيداً للاستماع إلى ما سيقوله مدير الشركة وشعر منير بأن أمراً ما قد حصل، وتمتم بينه وبين نفسه يا إلهي هل الشركة ستقفل … ! غير معقول. بدا منير وكأن رجفة وارتعاشه حركت كل جسمه ولم يستيقظ من تفكيره هذا إلا على صوت المسؤول العام عن العمال في الشركة الذي حضر ومع ميكروفون يدوي وطلب من جميع العمال الانصات قليلاً لأن المدير سيتحدث اليهم وأخذ المدير الميكروفون وأبلغ العمال بأنه لأسباب وظروف قاهرة فإن إدارة الشركة قررت إغلاق أبوابها نهائياً وتسريح جميع العمال الذين يربوا عددهم على الخمس مئة عامل وعلل مدير الشركة هذا القرار بأنه لأسباب خارجة عن يده واعتذر لأن الأمر فوق طاقته وخارج عن إرادته.

ظل المدير يتكلم لدقائق معدودة ولكن منير شعر بأن أرض الشركة تدور من حوله وتراجع من بين صفوف العمال وأسند بظهره إلى حائط الشركة ووبدأ يتمتم يا إلهي شيء غير معقول، بعد أكثر من 15 سنة متواصلة من العمل المجهد وجد نفسه في الشارع، دون عمل ودون أي أمل في المستقبل.

شعر منير بلحظات حرجة ربما لا يشعر بها إلا من يمر بهذه التجربة الصعبة إلى أبعد الحدود فما كان منه إلا أن انسحب من بين الصفوف وتوجه بسيارته عائداً إلى منزله، المنزل الذي لم يمض على شرائه أكثر من أشهر معدودة. ماذا سيفعل، كيف سيدفع الأقساط والبنك لا يهمه إذا احتفظ منير بعمله أم لا؟ المهم دفع القسط في تاريخه المحدد وإلا يعمد البنك إلى وضع يده على المنزل والتصرف به. جلس منير وفكر ملياً ماذا سيفعل وما هو الحل. الأولاد يتابعون دراستهم الثانوية، الشركة أقفلت، راودته أمور وأشياء كثيرة متفرقة ومؤلمة.

صعد منير إلى غرفته وبقي طوال النهار لا يكلم أحداً ولا يجيب عن أي سؤال. فقط أمر واحد فعله هو النظر من نافذة المنزل إلى الشمس وهي تستعد للمغيب وقد بدت الغيوم من حولها وأضفت على هذا المشهد الكثير من الجمال والروعة.

ظل منير يحدق بمنظر الشمس وكأنه يقول في قرارة نفسه بأن لكل شيء نهاية في هذه الحياة ولا بد من الغروب، إنها سُنة الحياة ، إنها الحياة!

ظل منير هائماً مفكراً في المستقبل الغامض الذي يواجهه ولكنه ظل متمسكاً بشيء قليل من الأمل، لأنه ما أصعب الحياة وما أضيق العيش لولا تلك الفسحة الضيقة من الأمل.