تأملات صابر

بقلم : علي إبراهيم طالب
وندسور – كندا
جريدة المرأة
 مونتريال   كندا
رقم العدد 14 (295 )
الأربعاء 8 ك٢ 1997
إنها العاشرة والدقيقة الثامنة من صباح ذلك السبت القارس من شهر كانون الثاني .
أطلق صابر العنان لأفكاره ولعقله صبيحة ذلك اليوم فبدا وكأنه طير إنطلق بحرية وحبور وسعادة بعد طول أسر !
 في  ذلك الفجر الباكر  الذي  اعتاد  صابر على صداقته  وبعد حوالي الست ساعات فقط من ولادة العام 1997    ، كان على صابر أن يكون في مقر عمله ذلك الصباح الباكر والقارس في آن ، حلقت أفكار صابر وسرحت أحلامه بعيدا إلى اللاحدود ، ماذا يخبئ لنا الدهر يا ترى ؟
هل ستكون سنة خير ؟
وبماذا تعدنا الأيام القادمة ؟
أسئلة كثيرة وكثيرة ومتلاحقة ظلت تراود مخيلة صابر وتقطع حبال أفكاره المتواصلة .
 نظر صابر إلى عقارب الساعة في هذه اللحظات الأولى من السنة الجديدة رآها منطلقة ، متلاحقة وكأنها في سباق مصيري نحو المجهول ، تجري العقارب إلى الأمام دون هوادة ، إذن السنين تمر والأيام تمضي كالسهام ولا يبقى إلا الذكريات والحنين ، وأطبق صابر في التفكير مجددا .
 أحس بصوت من أعماقه يسأل : إلى متى التفكير المتواصل والمجهود المضني وتعب الرأس إلى متى ؟ إلى متى ؟
وطبعا لا جواب !
 الأيام السعيدة قليلة جداً في حياة صابر وباقي الأيام هموم ومعاناة وتفكير متواصل والأخير هم صابر الأكبر والأوحد .
ينظر صابر إلى هذه المعمورة الواسعة قاطبة ، يرى الظلم والشر والعدوان كلها مجتمعة تسود المجتمعات ، سيطرت الأنانية على الإنسانية ، وتجرد بعض البشر من إنسانيتهم الحقة ومن ضمائرهم الحية وألبسوا وجوههم أقنعة التزيف والشر والفتنة .
أكثر شيء يؤلم صابر في هذه الحياة هو وجود بعض الناس الذين تنطلق الشائعات والأضاليل والأكاذيب من ألسنتهم كالسهام الحادة ، تصيب الأبرياء والناس الطيبين بسوء ، كان هذا الأمر يترك الأثر السيء في نفس صابر من هذه الأعمال البعيدة كل البعد عن الأخلاق والصفات الإنسانية الحميدة .
عاد صابر إلى التفكير بكل هذه الأمور والأشياء وأجرى لها دراسة سريعة في أفكاره ، لماذا لا تفارق  هذه الامور تحديدا  مخيلته على الدوام   ؟؟
 أصبح وقت النوم هو أسوأ الأوقات بالنسبة لصابر ، إذ يظل صابر مضطرب وحيران يتقلب على فراشه حتى طلوع الفجر ،  وهكذا دواليك كل يوم على هذه الحالة كانت أحيانا تراوده أحلام وكوابيس مزعجة  ومؤلمة الى ابعد  الحدود  .
 كل هذه الأمور كانت تقض مضجع صابر فينتقل من غرفة النوم إلى غرفة الجلوس وبالعكس وذلك طوال الليالي الطويلة الباردة والقارسة في بلاد الصقيع والزمهرير :  كندا .
 ليلة الأمس كانت كسابقاتها وقف صابر ولمح من خلال شباك غرفته حبيبات الثلج المنهمر تتساقط بشكل بدا كأنه منظم ومرتب، كانت الساعة تشيرإلى الرابعة فجرا وصابر يعاني الأرق ، قام صابر وبدأ بتحضير قهوة الصباح وعلى عجل رشف فنجان القهوة وغادر منزله متوجها إلى عمله وتمتم وهو يغادر المنزل  العبارة التي يرددها عشرات  وعشرات المرات  يوميا   :   (( يا رضى الله ورضى الوالدين   )) هذه العبارة التي يرددها صابر  ويكررها عدة مرت يوميا بوبالتأكيد مرة عند خروجه من المنزل كل صباح ومرة آخرى عندما يأوي إلى فراشه للنوم ، إذا شعر فعلا أنه سينام بعد مجهود العمل والتفكير المتواصل .
 خرج صابر ، وكانت الظلمة تبسط عتمتها على كل شيء وسكون الليل خيم وكأنه سيد الموقف .
سأل صابر نفسه ماذا سيحل به في العمل اليوم ؟ فليلة البارحة لم تر عيونه النوم ، وكان صابر يعلم أن عمله مرهق ومتواصل لأكثر من تسع ساعات ، كانت الشوارع خالية وحدها الإشارات الضوئية كانت توحي وكأن حركة ما تظهر ، ألوانها الحمراء والخضراء والبرتقالية كانت تتلألأ من البعيد وإشارات المشاة تظهر وتختفي ولكن دون وجود مشاة في هذه الساعة المتقدمة من الفجر .
تأمل صابر كل شيء حوله ، إحتار في أمره ، كون عامر يسير بإرادة خالق كريم تتجلى قدرته في كل شيء .
 تمتم صابر : تمجد إسمك أيها الباري عز وجل فأنت الجبار والقادر بعزك وجبروتك  على كل شيء .
مضى صابر في طريقه والأفكار والتأملات تراود مخيلته وكأنها حبل متواصل لا ينقطع .
شيء وحيد   ردده  على الدوام ذلك الصباح  الباكر  :  الحمد لله تعالى على كل  نعمه التي  لا تعد ولا تحصى   .
يا رضى الله ورضى الوالدين   ، شعر انه يردد  هذه العبارة  اكثر وأكثر  وأحس  بأن دموعه  الحارة انهمرت بشكل متواصل على خديه  فجر ذلك اليوم الأخر من عمر  غربته الكندية  الطويلة  .
                                               على الخير والمحبة والمودة الدائمة   والسلام استودعكم  الله   ولقاؤنا  معكم  يتواصل  من خلال هذا الموقع    والى اللقاء القريب  ان شاء  الله تعالى  .

                                              علي   ابراهيم   طالب
                                                وندسور    كندا
                                            للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني : visionmag64 @Gmail.com
                                           الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك
                                          FACEBOOK PAGE :    ALI  IBRAHIM  TALEB
                                          الاحد  9     حزيران        2013
0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x