بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الوطن العربي – فرنسا

عدد 898

20 آيار 1994

الحديث عن معاناة لبنان وما مر به هذا الوطن من مصاعب وويلات في حرب دامت رحاها ستة عشر عاماً هو حديث طويل ومؤلم، فالقتال أتى على البشر والحجر، واستنزف كل طاقات البلاد الإقتصادية والاجتماعية، مخلفاً القتلى والجرحى والمعاقين والمشوهين.

وفي هذه الأجواء المأساوية عانت الطفولة أكثر من غيرها. فالصغار الذين فتحوا عيونهم على المشاهد الحزينة المؤلمة وصمّت آذانهم أصوات الانفجارات والقنابل، لم يسمح لهم بممارسة طفولتهم البريئة.

وفي دنيا الاغتراب حيث ينتشر المهاجرون العرب عامة واللبنانيون بشكل خاص، هناكمشكلة الأطفال العرب الذين يولدون في المهجر. فهم لا يعرفون وطنهم الأم ولا يتحدثون باللغة العربية. وهنا يكمن الداء الذي أحب أن أسميه “مكمن المرض” وهو مشكلة المشاكل لآلاف العائلات العربية في هذا المنقلب الآخر من العالم.

الطفل في بلاد الاغتراب هو طفل (الأتاري) والكمبيوتر والألعاب الإلكترونية التي تتسابق شركات الألعاب على طرحها. ومع إطلالة كل فجر تطالعنا الإعلانات عن ألعاب وأدوات جديدة للأطفال.

والطفل في هذه البلاد (رغم مظاهر الاهتمام ورعاية الطفولة) لا يعيش طفولة بريئة: فهو يتعرض إلى ضغط عنيف من الأجواء المحيطة به، وأولها التلفزيون، هذا الجهاز الخطير الذي يأخذ من وقت الصغير أكثر من اللازم كل يوم ، مع اضطراره إلى مشاهدة حوادث العنف والإثارة القوية، والأدهى من كل ذلك أن إدارة التلفزيون لا تأخذ في برمجة مسلسلاتها بعين لااعتبار أوقات جلوس الأطفال أمام الشاشة الصغيرة. والغريب هو هذا الصمت المطبق من الجمعيات والمؤسسات التي تهتم بالعائلة والطفل أمام ما يحدث في التلفزيون. فالطفل هو الضحية الأولى في هذه المعمعة، لانه يتأثر كثيراً بمشاهد العنف والقتل والرعب، والكل يعرف تلك الحادثة الشهيرة عندما حاول أحد الأطفال القفز من نافذة منزله على طريقة (سوبرمان) بعد أن شاهد أحد مسلسلات هذا (البطل) الوهمي.

حزننا على الأطفال العرب في هذه البلاد كبير. وهو حزن ممزوج بالأسى على أطفال يولدون هنا وهم يجهلون كل شيء عن لغتهم وثقافتهم وحضارتهم. وفي هذا السياق نشير إلى محاولات جادة لبعض الأهل العرب الذين حاولوا تعليم أبنائهم لغة الضاد حتى وإن تطلب الأمر الاستعانة بأستاذ خاص لهذا الغرض. لكن هذه المحاولات تبقى محدودة. إن للغربة ثمناً باهظاً جداً. فهل يجب أن يفرح الأهل عندما يتحدث طفلهم باللغة الأجنبية دون أي اهتمام بلغته الأم؟

الكبار الذين يهاجرون كانت شخصياتهم قد تكونت في بلادهم فيظل الحنين يربطهم إلى تراب الوطن ومطارح الأهل والخلان. لكن الصورة معكوسة تماماً عند الأطفال الذين يولدون في المهجر، فشخصية الصغار تذوب في المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، ناهيك عن ذلك الجهاز المرعب الذي اسمه التلفزيون والذي يقتحم بيوتنا بدون استئذان فارضاً علينا إرادته وسطوته بشكل غير قابل للجدل!

كم من مآس، وأحياناً كوارث تعيشها عائلات عربية مغتربة. وحتى علمنا أن عدد اللبنانيين في كندا يصل إلى حوالي الثلاثمائة ألفاً حسب تقديرات وزارة الخارجية الكندية، كان لنا أن نتصور حجم الكارثة التي نعيشها.

إنها صرخة معاناة بوجه الجميع. فهل من مجيب؟

0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x