راندي وعطلة الأعياد

راندي وعطلة الأعياد
بقلم : علي إبراهيم طالب
وندسور / كندا
دخل العجوز الكندي راندي ذو الأصول اليونانية إلى المقهى وهو مُتجهم الوجه عابس وقد غابت كل ملامحه تقريباً وراء وجهه الذي بدا وكأنه عبارة عن خريطة غريبة وعجيبة الملامح إلى أبعد الحدود .
ألقى بجسده المتثاقل بسنين عمره التي جاوزت الخامسة والثمانين ، طلب مني ان أضع القلم والورقة جانباً فأدركت على الفور انه يريد ان يتحدث عن أمر ما مهم وأخرجه عن طوعه على ما يبدو ، امتثلت  لمشيئته بحكم كبر السن ونوع من الصداقة نشأت بيننا من خلال إصراره على ان أقوم بترجمة أي فقرة اكون قد كتبتها أو فكرة صغيرة دونتها على وريقة صغيرة من هنا وهناك  ، ليعرف  :   (   بماذا  يفكر هذا العربي الشاب القادم  من الشرق الاوسط  تحديدا  )  كما كان يردد على مسامعي   دوما  .
قال لي كما تعرف أننا على أبواب عيدي الميلاد ورأس السنة ( وقد جرى هذا الحوار قبل أسبوعين تماماً من الاعياد )،
قال هذا الصباح تلقيت اتصال هاتفي من ابني الكبير ففرحت جداً بهذا الاتصال وقد ظننت للوهلة الأولى انه يسأل عني هو وأخويه الآخرين والذين يعيشون في نفس هذه المدينة ولم ارهما منذ عيد الميلاد الماضي !
المهم ان ابني طلب مني طلب غريب إذ قال انه اتفق ان يذهب مع أخويه وزوجاتهم إلى المكسيك لقضاء فترة الأعياد هناك والمطلوب مني ان اهتم بكلابهم   (  اعلى الله مقامكم  )   أثناء غيابهم عن البيت وقد تطوع أبني الكبير بمهمة إحضار الكلاب الثلاثة إلى منزلي هذا الصباح وكل ما قاله لي هو على باب المنزل ( ميلاد سعيد يا أبي )، وأعطاني الكلاب الثلاثة وقال انه على عجلة من أمره لان طائرتهم تقلع بعد ساعتين من الآن وعليه ان يكون في المطار !!
أطلق بعدها سلسلة غريبة ومضحكة  ومتلاحقة من الشتائم بحق أولاده ، هدأ قليلاً ثم قال لي ضاحكاً : افضل عيد ميلاد لهذا العام سوف أقضيه  مع  من   ؟؟
ليس أولادي انفسهم ، بل مع كلابهم لأهتم بالكلاب فقط !!
هدأ قليلاً وذهب لشراء فنجان قهوته الصباحية المعتادة وسألني اذا كنت أريد المزيد من القهوة فشكرته قائلاً  بان فنجاني هذا هو السادس لهذا الصباح والساعة لما تشير بعد إلى العاشرة صباحاً !
يا  ألهي  يا  رجل    ، يا  ألهي يا رجل    قالها  واطلق ضحكة قوية  سمعها كل من كان في المقهى  .
عاد راندي وجلس بعد ان هدأ قليلاً وطلب مني ان أترجم له اول ثلاثة اسطر كتبتها فترجمت له ما طلب فقال عظيم انا دائماً أقول لك عليك ان تترجم ما تكتبه إلى اللغة الإنكليزية وسأكون اول شخص يشتري كتابك هذا لأنني اعلم انك تكتب عن المواضيع الانسانية العامة التي يفهمها العربي والكندي والصيني والإيطالي ، أفعل يا رجل ولا تتردد !!
قال راندي تلك الكلمات وانا اعرف صدق مشاعره وهو الذي أمضى أكثر من اربعة عقود من عمره في تدريس مادة الرياضيات في عدد كبير من مدارس المدينة ، ويفتخر عندما يتوقف أمامه أحد ما ممن نجوا وشقوا طريقهم للنجاح أمامه ويرددوا أمامه العبارة التي يجب سماعها : سيد راندي أنا كنت أحد تلاميذك وأنا افتخر بذلك .
كنت قد وضعت القلم جانباً لأني شعرت أن هذا العجوز يريد أن يٌخرج ما في قلبه وعقله من كلمات وهو الوحيد الذي طلبت منه زوجته ان ينفصلا عن بعضهما البعض فتم لها الأمر بكل حب ورضى وان كانت تصر على الاتصال به في كل مره تحتاج فيه لاحد ما يصلح لها أي عُطل في منزلها !!
سكت  قليلا   وتوجه لي بالكلام   :  (  زوجتي السابقة  قضيت معها  اكثر من اربعين عاما  يا رجل ولم استطع  فهم طريقة  تفكيرها  ،  هي  تتصل بي دائما لكي اذهب الى منزلها  وأصلح اي عطل يحصل في البيت   لقد تعودت ان  اقوم بهذا العمل كلما احتاجت لي  .
اقوم  بذلك عن طيب خاطر   ولكنها امراة مجنونة صدقني   ،  يا الهي لا اعرف اذا كان الله سيغفر لي  هذه الغلطة الكبيرة  بأني قضيت كل تلك السنوات الطويلة معها  )   !!
أولاده ثلاثة لا يراهم إلا نادراً ، عنده ابنه وحيدة تعيش في مقاطعة كندية اخرى يتصل هو بها للاطمئنان عنها .
راندي يشعر انه وحيد هكذا شعرت من دموعه التي أنهمرت من عينيه وكانت المرة الأولى التي أراها فيها باكياً وحزيناً !!
لقد كان منظر مؤثر الى ابعد الحدود  بأن ترى رجل  كبير  في السن  مثل راندي  يبكي  بهذه  الحرقة والالم  .
                                             على الخير والمحبة والمودة الدائمة   والسلام استودعكم  الله   ولقاؤنا  معكم  يتواصل  من خلال هذا الموقع    والى اللقاء القريب  ان شاء  الله تعالى  .

                                              علي   ابراهيم   طالب
                                                وندسور    كندا
                                            للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني
                                           : visionmag64 @Gmail.com
                                           الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك
                                          FACEBOOK PAGE :    ALI  IBRAHIM  TALEB
                                            الاربعاء  7         أب                2013
0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x