بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث –  لندن

رسائل إلى المحرر

رقم العدد 1958

الجمعة 13 أيار 1994

 كان كل شيء يسير بشكل طبيعي عندما نقلت الطفلة (حياة) بواسطة سيارة الإسعاف إلى المستشفى على وجه السرعة في صبيحة ذلك اليوم البارد من شهر آذار الماضي، وذلك في ضاحية ديربورن بولاية ميشيغان الأميركية حيث يطغى الوجود العربي في هذه البلدة بشكل مميز.

ظنت أم الطفلة بأن الأمر عادي جداً وممكن لأي طفل أن يتعرض لما تعرضت له الطفلة والتي تبلغ من العمر سنة وستة أشهر. أخبروا الوالدة في المستشفى بأنها تستطيع أن تذهب إلى المنزل للراحة وأن تعود بعد ثلاث ساعات لاصطحاب الطفلة بعد أن تكون قد أخضعت للفحوصات الطبية، والأمصال وما إلى ذلك.

ولكن الأمور سارت بغير المتوقع واتصلت إدارة المستشفى بأم الطفلة تبلغها بضرورة الحضور على الفور، لأن حالة الطفلة بدأت بالتدهور وأبلغت المستشفى أهل الطفلة بأن حال استقرار وضع الطفلة فإنه سيتم نقلها إلى مستشفى آخر حديث بتجهيزاته، وفعلاً حضر فريق طبي بواسطة طائرة هليكوبتر تمهيداً لنقل الطفلة إلى مستشفى الآخر.

كانت الأعصاب مشدودة، والجو الحذر يسيطر علينا جميعاً ونحن ننتظر خارج غرفة العناية المركزة، إلى أن خرج طبيب أميركي من أصل عربي وبلغنا بأن قلب الطفلة معرض للتوقف ويبذل الأطباء مجهودهم لإنقاذ الطفلة والباقي على الله تعالى.

هنا تعالت الصرخات من الجميع وخصوصاً من الأم ولعل أصعب شيء على الإنسان أن يصف هذا المشهد الذي اختلط فيه البكاء والنحيب مع الدعاء إلى الباري عز وجل أن ينقذ الطفلة، لم يطل هذا الانتظار كثيراً حين خرج الطبيب المعالج وحوله جمهره من الأطباء والحزن يلف وجوههم. نظرت إلى عيني الطبيب وهو يفتح الباب، لقد عرفت النبأ المؤلم من عينييه المغرورقتين بالدموع، وقال بلغة إنكليزية تكاد تكون صامتة: آسف، الطفلة ماتت!!

صرخ الجميع بصوت واحد، خرج جميع الأطباء والممرضين والممرضات إلى باحة المستشفى ليشاهدوا لوعة الأم بفراق طفلتها، أحسست وكأن زلزالاً ما قد حدث. اختلط كل شيء الصرخات والآهات. كان المشهد مؤلماً إلى أقصى الدرجات، سبحانك يا الله يا كريم فأنت تعطي وأنت تأخذ.

كل من عرف الطفلة (حياة) كان يلاحظ تميزها وذكاءها. فقد كانت بالفعل طفلة مميزة، ولكن إرادة الباري تعالى أقوى وأمره محتوم.

وسط هذا الجو الحزين قررت العائلة إرسال جثمان الطفلة الفقيدة إلى لبنان لكي توارى الثرى في الأرض الطيبة هناك. وذهبت حياة إلى مثواها الأخير ولكن ذكراها باقية في أفئدة جميع من عرفها.

0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x