غربة – شوق وحنين

2

قصة قصيرة

   غربة  –  شوق وحنين
  بقلم : علي إبراهيم طالب
         وندسور  – كندا
  المهاجر الجديد
– العدد 167 –
   شباط 2008
أبصرت الحاجة منيرة النور في العقد الخامس   من القرن العشرين ، وعرفها الناس على انها سيدة عظيمة صاحبة قلب كبير توزع الحنان والعطف على كل من عرفها من أقارب وأهل وجيران   وحتى على الاناس الغرباء  والمحتاجين والفقراء  على حد سواء  .
لم تمنعها قساوة الحياة  من البقاء  على  كرمها  وعطائاتها التي  تفوق كل تصور  ، وعندما فقدت زوجها في عز شبابه على اثر حادث سير مؤلم بعد ان انجبت ولدها الوحيد في هذه الدنيا والتي شاءت الصدف ان تطلق عليه اسم وحيد تيمنا بوالد زوجها المرحوم  ، شعرت في تلك الفترة القاسية والحرجة من حياتها   انها فقدت مع الزوج الوفي  والمخلص   كل أمل  لها بحياة  هادئة   مع زوجها  الراحل  التي  كانت تعتبره  اهم  شخص  في حياتها  على الاطلاق  .
وقفت الحاجة منيرة الى جانب وحيدها فعملت وتعبت حتى وصل الى المرحلة الثانوية التي أنهاها بتفوق لافت ، وبدأت رحلة المعاناة للحاجة منيرة التي وجدت إصراراً كبيراً من فلذة كبدها الوحيد بالسفر الى الخارج وإكمال دراسته الجامعية في احدى جامعات كندا .
كان لوحيد ما أراد ووقفت امه في المطار   تلك  الوقفة التي  كانت تسال الله تعالى بينها وبين نفسها  ان  لا يخطر على بال   وحيدها   فكرة السفلر  ولكن حصل ما كانت  لا تتمنى حصوله  .
 وقفت تلك الام   تودعه وكأنها تفارق قطعة من جسدها فإنهالت الدموع على الوجه الستيني الطاهر ولم يحتمل وحيد دموع الام الغزيرة فضمته الام الى صدرها في مشهد مبكٍ ومؤثر الى ابعد حدود .
كان لا بد  لوحيد  من السفر  فالطائرة   ستقلع  بعد  قليل  ومن المؤكد ان قلب  الوالدة    سينطلق  مع تلك الطائرة المسافرة  ، كيف لا ووحيدها  وفلذة كبدها  سيكون على متن تلك الطائرة المتوجهة  الى  أخر الدنيا كما كانت تردد على مسامع ابنها  عندما أبلغها للمرة الاولى عن عزمه للسفر الى كندا  ، وكيف لها  ان تتحمل  ذلك السفر والغياب  المؤلم لوحيدها   الى ابعد حدود  الألم   والشوق  .
مضت السنين وشعرت الحاجة منيرة بالشوق الكبير الى وحيدها الذي كان يجري المكالمات الهاتفية مع والدته كل أسبوع بشكل منتظم ، لكي يطمئنها عن أحواله وأحوال الدراسة في غربته القسرية تلك .
في اخر حوار جرى بين الام وولدها قالت الام بلغة ممزوجة بالدموع ابسط يدي الى السماء يا ولدي الحبيب وارفعها داعية لك بطول العمر والصحة والعافية  ، وان تعود الى كنفي وقلبي سالما غانما من كل مكروه ، قالت له بلغة الوالدة الحنون ، الحياة يا ولدي هي عبارة عن أمل وألم وأجل ، فارجوا يا ولدي الحبيب من الله تعالى ان يعطيك على الدوام الأمل ، وان يجنبك الألم   والوجع  ،  ويطيل لك الأجل ، وقد شعر وحيد بدموع امه تخترق سماعة الهاتف وتستقر في قلبه وعقله ليشعر هو نفسه بالدموع وقد انهمرت على خديه على الغياب والبعد عن الوطن وآلام الغالية الحنونة .
كانت اخر كلمات امه  له  في تلك المكالمة  :   (   اتمنى من الله تعالى يا ولدي ان اراك ولو لمرة  واحدة   قبل ان اموت  ، اتمنى من الله ذلك في كل صلواتي  ودعواتي  )  .
بقيت  كلمات الوالدة ولا سيما  جملتها  الاخيرة  عالقة في ذهنه   واحس  بالدموع تنهمر  من   عينيه كما لم تنهمر من قبل  طيلة  مرحلة غربته   القاسية والطويلة تلك  .
                              على الخير والمحبة والمودة الدائمة   والسلام استودعكم  الله   ولقاؤنا  معكم  يتواصل  من خلال هذا الموقع    والى اللقاء القريب  ان شاء  الله تعالى  .

                               علي   ابراهيم   طالب
                             وندسور    كندا
                           للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني : visionmag64 @Gmail.com
                  الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك
   FACEBOOK PAGE :    ALI  IBRAHIM  TALEB
                 السبت   20           نيسان    2013
0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
2 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Anonymous
Anonymous
13 years ago

قصة مؤثرة جداً .. شكرا لك

يوسف زكريا
يوسف زكريا
13 years ago

قصة رائعة يمتزج فيها الحب والحنان والإيمان بالله وتظهر حقيقة أمهاتنا الشرقيات اللواتي يعشن من أجل أولادهن ولا يتمنين من هذه الحياة إلا رؤيتهم والتأكد على أنهم بأحسن حال وعندها لن يخيفهن أجل ولا موت. ألا أطال الله بعمر كل أم شرقية وغمر برحمته الواسعة أمهاتنا المؤمنات الحنونات اللواتي انتقلن إلى جواره في جنات الخلود
.

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x