وجوه بشرية
وجوه بشرية
بقلم علي إبراهيم طالب
وندسور كندا
أستيقظ في ساعة مُبكرة جداً كعادته التي دأب عليها منذ سنوات طويلة خلت لم ينم جيداً تلك الليلة بقي يسهر حتى خيوط الفجر الاولى وكأن لسان حاله يردد مع كوكب الشرق رائعتها : ( فما أطال النوم عمراً ولا قّصر بالأعمار طول السهر ) .
أدار جهاز التلفزيون على المحطة المحلية نظر الى وجه المذيعة التي تقرأ أولى نشرات الاخبار المحلية لذلك اليوم كان وجهها مألوفاً وطفولياً الى أبعد الحدود على الرغم من مسحة الماكياج الخفيفة التي لا بد منها وخصوصاً في عمل المذيعات تحديداً ، رشف من فنجان قهوته الصباحية رشفة ووضعه جانباً دقائق معدودات مرت قام من مكانه وغادر المنزل الى وجهة لا يعرفها .
أدار محرك السيارة وانطلق الى مكان يجهله ، اول وجه صادفه كان لشرطي يجلس داخل سيارة للشرطة وقفت بجانبه على احدى الإشارات الضوئية ، بدت ملامح التعب الشديد على وجه الشرطي الذي قضى على ما يبدو الليلة الماضية يقوم بعمله المحدد له ، انطلق بسيارته يسير في الشوارع ويقف على الاشارات الضوئية الكثيرة التي تنتشر في جميع ارجاء المدينة تلك .
قرر ان يشرب فنجان من القهوة دخل الى احدى امهات المقاهي في المدينة كان الازدحام على أشده في ذلك المكان ، وجوه كثيرة وعديدة لأناس من كافة الأعمار والأشكال ، على الطاولة المجاورة له جلست امرأة مُسّنة نظر الى وجهها فيه الكثير من الالوان والمساحيق التي وضعت هنا وهناك كانت في منتهى البساطة ألقت عليه تحية الصباح فّرد عليها بأحسن منها حملت من حقيبتها الكبيرة كتاب متوسط الحجم ، كانت تقرأ كلماته بكل متابعة وتركيز .
على الطاولة المحاذية جلس عدد من عمال البناء الذين حضروا من ورشة قيد الإنشاء مجاورة للقهى ، كانوا يتحدثون بصوت مرتفع قليلاً وبدت على ملابسهم آثار الأسمنت والغبار كان نقاشهم الرئيسي المسموع وبصوت عالِ عن المباراة الرياضية التي جرت ليلة البارحة التي كانت نتيجتها مخالفة لكل التوقعات ، ولكن انها الرياضة كما انهى النقاش احد العمال قبل ان يغادروا المكان بشكل جماعي .
دخلت في هذه الأثناء فتاة مراهقة رفعت شعرها الأشقر الى الأعلى بطريقة غريبة جعلت الأنظار تتجه إليها بشكل مُلفت كان خصلات شعرها ملونه بألوان عديدة وبدا وجهها حزين وكئيب في آن معاً ، الله وحده يعلم ما تخفيه الصدور والقلوب .
في احدى زوايا المقهى جلس جون وليديا زوجين عجوزين حضرا من بولندا قبل خمسين عاماً ، يتحدثان بالبولندية وفي كل مرة تجدهما في غاية السعادة والوئام ، في احد المرات سألهما معاً عن سر علاقتهم الجيدة وزواجهم المستمر منذ اكثر من نصف قرن قال جون : ( عندما اغضب تصمت هي ، وعندما تغضب هي أصمت انا ) ، انها الوصفة السحرية !!
ولكن جون ذلك اسر لي عندما قامت زوجته من مكانها لتجلب فنجان اخر من القهوة وقال لي : يا صديقي النساء تتشابهن في طريقة التفكير فأنا قضيت اكثر من نصف عمري في العمل كبحار وقد لمست هذا الامر بنفسي لمس اليد كما اقول لك .
بدا المكان اكثر ازدحاماً من ذي قبل كانت وجوه كثيرة وعديدة وجه باسم وجميل المُحّيا ، ووجه اخر تبدو على ملامحه كل أحزان وهموم هذا العالم !
وجه آخر بدت عليه علائم الاضطراب والقلق ، لم تكن الوجوه تتشابه البتة في ذلك المكان ابدا .
غادر المكان كان عليه ان يقوم بعدة أمور ومواعيد مختلفة ، اذن عليه أن يرى المزيد من الوجوه البشرية المختلفة في عدة أمكنة ، جلس في السيارة قبل ان ينطلق ، سأل نفسه : نظرت الى وجوه الاخرين فلماذا لا انظر الى وجهي ؟!
ابتسم قليلا وقال لنفسه كم تحمل وجوه البشر من حكايا وقصص قد لا يستطيع اي كان قرائتها او فهم مكنونات اسرارها العديدة .
نظر الى ملامح وجهه وحمد الله تعالى على كل نعمة وخيراته التي لا تُعّد ولا تحصى .
على الخير والمحبة والمودة الدائمة والسلام استودعكم الله ولقاؤنا معكم يتواصل من خلال هذا الموقع والى اللقاء القريب ان شاء الله تعالى .
علي ابراهيم طالب
وندسور كندا
للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني
الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك
FACEBOOK PAGE : ALI IBRAHIM TALEB
الخميس 28 تشرين الثاني 2013
