شوائب الحياة : عقوق الوالدين

0
شوائب الحياة :
عقوق الوالدين
بقلم : علي إبراهيم طالب
وندسور – كندا
جريدة صدى المشرق
مونتريال   كندا
العدد 88 –
الثلاثاء 5 شباط 2002
استمرارية الحياة التي نعيشها تكمن في أنها تشمل : الفرح والألم ، الخير والشر ،  الصدق والكذب ، الابتسامات والدموع ، الواقعية والنسيان ، وعشرات عشرات الأمور وأضدادها التي نعيش تفاصيلها لحظة بلحظة .
أشعر بالألم الكبير عندما أرى في غربتنا القاحلة هذه الاعداد الكبيرة من الأشقاء العرب بشكل عام ، واللبنانيين بشكل خاص وأنا منهم بالطبع ، وقد تركوا أوطانهم الحبيبة واختصروا أحلامهم ومشاريعهم المستقبلية في حقيبة سفر ومضوا إلى المجهول البعيد .
أشعر بالألم الممزوج بالحسرة والحزن عندما ، أجد إن العربي أو العربية لا يرفضان أي عمل يستطيعان الحصول عليه هنا وربما تعتبر أعمال وضيعة بالنسبة للمواطن الغربي بشكل عام ، ومنها جلي الصحون في المطاعم ، أو تنظيف المراحيض والعمل كسائقي تاكسي ، وعشرات المهن التي قد تعتبر دون المستوى المطلوب .
قد يأتي شخص عربي إلى هذه البلاد من أي قطر عربي كان ، ترى أن هذا الشخص يعمل في محطة وقود أو سائق تاكسي ، مع العلم ان هذا الشخص نفسه ، مستعد أن يجلس في منزله دون أي عمل في وطنه الأم ، إلا إذا حصل على وظيفة مريحة يحتفظ من خلالها بثيابه النظيفة أو يجلس وراء مكتب في جو المكيف في الصيف الحار ، وجو التدفئة المركزية في ايام البرد القارس والممطر.
انا اعرف ان الظروف صعبة والغربة قاهرة ومؤلمة حتى ولو استطاع المهاجر ان يحصل على الآلاف المؤلفة من الدولارات فان  بعض  الناس  يظل  حنينها  دائما وأبدا الى ارض الوطن الحبيب ، حيث الاهل والأحبة ، والأصدقاء ومرتع الطفولة المحببة .
عدة أشياء وأمور أكرهها وارفضها رفضا باتا ، الظلم اول هذه الأمور ، والكذب وان يكون الانسان بوجهين ولسانين ، ارفض النميمة والحسد وإيذاء الغير ولعل الشيء الذي اتألم له جداً ويحز في نفسي هو عقوق الوالدين وعدم احترامهما ، وفي هذه العجالة تحضرني قصة كنت قد سمعتها  منذ صغري جداً ، ولا زالت عالقة بذاكرتي مع إن هذه الأخيرة  تخونني لعدة مرات   في  امور  عديدة  .
القصة التي سأرويها مفادها :
أن رجلا فاضلا من أبناء احدى البلدات   ، عاش حياته كلها يعمل بجد ومثابرة في سبيل عائلته ونجاح أولاده كان هذا الشخص يعمل ماسح للأحذية وبطبيعة الحال كان عليه أن يسير مسافات طويلة على قدميه ليؤمن العيش الكريم لعياله ، ومرت الايام وهذا الأب
الفاضل الكريم يواصل مشوار التعب والكد في هذه الحياة ، وكبر الأولاد ، ودخل الولد الأكبر إلى الجامعة ، وفرح والده لهذا الأمر ووعده بأن يؤمن له ومن عمله المتواضع ، كل ما تطلبه الجامعة من مصاريف وكتب وما إلى ذلك .
وتمر الايام ويتخرج الولد الأكبر من الجامعة ، ويبتسم له الحظ   ففور  تخرجه   يعين  كاستاذ    ثانوي   في بلدته تحديدا  ،  مما افرح والديه وعائلته  وباقي  افراد اسرته واخوته لهذا الامر   .

  لاحظ الأب بأن تصرفات ابنه تغيرت كثيرا ، وأصبح يثور لأتفه الاسباب ، فيصرخ بوجه امه إذا ما قصرت في تحضير ما يطلبه ،  وأصبح يثور لأتفه الاسباب ، فيصرخ بوجه امه إذا ما قصرت في تحضير ما يطلبه ، ولم ينظر إلى والدته وكبر سنها ،
  بل أعمت قلبه الشهادة التي يحملها وكأنها أوحت اليه بأنه فوق العالم بأسره وكل الناس خدم أو عبيد له .
في إحدى المرات غادر جهاد _ اسم الأستاذ الثانوي المحترم _ منزله متوجها إلى ثانوية البلدة وتصادف في طريقه إلى عمله والده الشيخ العجوز وقد أحنت عدة الأحذية التي يحملها ظهره   الضعيف فما كان منه إلا أن تقدم نحو والده وكأن نوبة جنون أصابته فهز والده بعنف وقال له ( انت تسبب لي الفضيحة وكلام الناس ، كلما شاهدتك ايها الرجل ،   اغرب عن وجهي واطلب منك أن تغير طريقك عندما تلمحني وأنا أتٍ ، وأياك ثم إياك ان تتحدث معي أو تستوقفني في أي مكان عام أو خاص فهمت أيها الرجل العجوز المجنون   !!!!
تسمَّر الرجل المسكين مكانه ولم يصدق ما رأته عيناه وما سمعته أذناه فبعد هذا التعب والجهد على مدى السنين الطويلة وبدلا من يأتي هذا الابن العاق ويقول لوالده عليك الآن أن ترتاح يا والدي الحبيب فأنا أصبحت موظفا وأستطيع أن أساعدك واقدر ولو بشكل جزئي من رد بعض جميلك وتفانيك تجاهي  ،  تفوه في وجه والده العامل  الكادح   الصابر على شقاء  الحياة وعذاباتها  والامها   من اجل تأمين  لقمة العيش  الطاهرة  والنظيفة لأسرته  الكبيرة  ومنها  ذلك  الاستاذ   الجاحد والناكر للجميل  ومن  والده  الانسان العامل  البسيط  الذي  قضى عمرة   في الكفاح  والجهاد  في  سبيل العائلة  ككل  .
لعله من أصعب اللحظات الإنسانية في هذه الحياة أن يشعر الانسان بالظلم ومن اقرب الناس إليه في هذه الحياة .
     وصدق الشاعر حين قال : وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند .
كل أموال وجواهر وعقارات هذه الدنيا لا تساوي مجتمعة رضا الوالدين فالعيب والعار لكل من تسول له نفسه أن يتطاول على والديه ولو بكلمة أو إساءة جارحة فالوالدن كنز ثمين وانظر إلى القول الجميل ( يا رضا الله ورضا الوالدين )   فالله تعالى  ساوى  بين  رضاه  ورضى الوالدين   فقط   ، والشاطر والنبيه يفهم .
الشقي  الشقي  من  لا يعرف قيمة والديه في  هذه الحياة  وهو  يخسر  خسارة كبيرة وعظيمة لا تعوضها كل   كنوز هذه الدنيا باسرها  قاطبة  .
                               على الخير والمحبة والمودة الدائمة   والسلام استودعكم  الله   ولقاؤنا  معكم  يتواصل  من خلال هذا الموقع    والى اللقاء القريب  ان شاء  الله تعالى  .

                               علي   ابراهيم   طالب
                             وندسور    كندا
                           للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني : visionmag64 @Gmail.com
                           الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك
                            FACEBOOK PAGE :    ALI  IBRAHIM  TALEB
                             الاربعاء    الاول  من  أيار      2013
0 0 votes
Article Rating
Spread the love
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x