header

المستقبل الغامض

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

23 حزيران 1995

عدد 2016

منير هو شاب عربي في الأربعين من عمره. وصل إلى كندا منذ أكثر من عشرين عاماً. وكأي مهاجر جديد واجهته صعوبات جمة ووجد الفارق الكبير بين المجتمع العربي الذي جاء منه وبين هذا المجتمع الكندي الغربي والمختلف كليا عا نعهده في المجتمعات العربية على جميع الصعد.

عمل منير في عدة أمكنة وفي شتى المجالات لأنه وجد بأن على المرء أن يعمل في أي مهنة تعرض عليه حتى ولو كان مجازاً ويحمل أعلى الشهادات فالمرء هنا لا يستطيع تفويت أية فرصة تتعلق بالحصول على أي عمل مهما كانت نوعيته. المهم أن منير ظل وعلى مدى سنوات طويلة ينتقل من عمل إلى آخر إلى أن وفقه الله بالحصول على عمل جيد وبأجر مرتفع وذلك في شركة متخصصة بصناعة قطع السيارات في هذه المدينة (وندسور) والتي تعتبر عاصمة صناعة السيارات على مستوى كندا ككل وتنتشر في هذه المدينة المصانع والمؤسسات التي تختص بكل ما يتعلق بصناعة السيارات من المرحلة الأولى للتصنيع مروراً بتجميع كل القطع وصولاً إلى إنجاز السيارات بشكل نهائي وجعلها جاهزة للنزول إلى الأسواق.

المهم أن منير كان سعيداً بعمله هذا وقد مضى على وجوده في هذه الشركة أكثر من 15 سنة وكان ينتقل من الدوام النهاري إلى دوام بعد الظهر ومن ثم دوام منتصف الليل وهكذا دواليك كل أسبوعين توقيت مختلف ولكن العمل واحد على نفس الآلات والمكابس والتي تظل حركتها تتحرك محدثة الضجيج الرهيب وعلى مدى 24 ساعة، أي أن العمل كان يستمر على مدار الساعة.

كانت الآلات تبدو وكأنها تلتهم الحديد والقطع ذات النوعيات المختلفة لتحيلها إلى أشكال وأنواع متفرقة لتذهب وتجمع ضمن ارتال السيارات الطويلة.

لعل الشركة التي يعمل بها منير هي من أكبر الشركات المختصة بقطع السيارات على مستوى المدينة وكانت مساحة الشركة واسعة جداً. وكان يبدوا واضحاً كثرة العمال في هذه الشركة ويستطيع المرء ملاحظة ذلك لدى خروج العمال ودخولهم إلى الشركة عند بدء أو انتهاء كل دوام من دوامات الشركة الثلاثة.

بطبيعة الحال وبعد عدة سنوات من العمل في هذه الشركة شعر منير بأنه من غير الجائر أن يظل يسكن في منزل بالإيجار وعليه أن يؤمن المنزل الخاص تمهيداً لشرائه ودفع أقساطه كل شهر أو كل أسبوعين حسب الاتفاق مع رجل بيع العقارات

وبالفعل بدأ منير وزوجته بالبحث عن بيت المستقبل وأراد منير أن يشتري بيتاً فخماً جداً وفي ناحية راقية جداً من ضواحي المدينة، ربما لشعوره بأنه يملك قسماً من ثمن هذا المنزل وعلى اعتبار أنه يملك عملاً يؤمن له مدخولاً كافياً ويستطيع دفع كل المستحقات الشهرية وكل ما يتعلق بثمن المنزل ودفع الضرائب والمصاريف الأخرى والتي يحتاجها كل منزل وكل عائلة من متطلبات معيشية ضرورية.

أعجب منير بالمنزل الغالي الثمن ووقع العقد لشرائه وظلت الأمور سائرة معه على أحسن ما يرام. نفس الروتين اليومي. فعندما يذهب إلى العمل صباحاً وعند السابعة ، يعود إلى منزله في الثالثة والنصف عصراً وقد أنهكه العمل فيذهب في سبات عميق لابد منه بعد يوم عمل مجهد ويقضي بقية الوقت في متابعة الأوضاع عبر قراءة الجريدة أو مشاهدة التلفزيون.

وعندما يعمل في فترة بعد الظهر وتمتد من الثالثة والنصف وحتى منتصف الليل يعود إلى منزله وقد أنهكه التعب وكذلك الحال عندما يبدأ عمله من منتصف الليل وحتى السابعة من صباح اليوم التالي، إنه نفس الروتين ويبدو أن جسمه قد اعتاد على هذا النمط من الحياة ويظل يوم الأحد هو يوم الراحة الوحيد في الأسبوع، ويجد منير أمامه كل يوم أحد قائمة طويلة من الشؤون والأمور التي تأجلت إلى هذا اليوم على صعيد العمل في المنزل وإصلاح ما هو بحاجة لإصلاح والقيام بالزيارات والأمور الاجتماعية وما إلى ذلك.

وفي صبيحة يوم مثلج ذهب منير إلى الشركة كالمعتاد في ذلك النهار المثلج المترافق مع أشعة الشمس التي أضفت نوعاً من الدفء البسيط في يوم قارس جداً.

وصل منير إلى الباحة الرئيسية ليجد حركة غير عادية فالالات كلها متوقفة عن العمل والهدوء يعم المكان فيما تجمع العمال كل أربع أو خمسة عمال على حدة، والجميع يتهامسون أحياناً بأصوات منخفضة وأحياناً أخرى بأصوات مسموعة فاقترب منير وهو متعجب من هذا الأمر وقال لزميل له: ماذا يجري هنا وماذا حدث؟ فاجأبه بأن مدير الشركة طلب من جميع العمال الاجتماع في ساحة الشركة الرئيسة لأنه سيبلغهم بأمر ما.

ووقف منير مع العمال تمهيداً للاستماع إلى ما سيقوله مدير الشركة وشعر منير بأن أمراً ما قد حصل، وتمتم بينه وبين نفسه يا إلهي هل الشركة ستقفل … ! غير معقول. بدا منير وكأن رجفة وارتعاشه حركت كل جسمه ولم يستيقظ من تفكيره هذا إلا على صوت المسؤول العام عن العمال في الشركة الذي حضر ومع ميكروفون يدوي وطلب من جميع العمال الانصات قليلاً لأن المدير سيتحدث اليهم وأخذ المدير الميكروفون وأبلغ العمال بأنه لأسباب وظروف قاهرة فإن إدارة الشركة قررت إغلاق أبوابها نهائياً وتسريح جميع العمال الذين يربوا عددهم على الخمس مئة عامل وعلل مدير الشركة هذا القرار بأنه لأسباب خارجة عن يده واعتذر لأن الأمر فوق طاقته وخارج عن إرادته.

ظل المدير يتكلم لدقائق معدودة ولكن منير شعر بأن أرض الشركة تدور من حوله وتراجع من بين صفوف العمال وأسند بظهره إلى حائط الشركة ووبدأ يتمتم يا إلهي شيء غير معقول، بعد أكثر من 15 سنة متواصلة من العمل المجهد وجد نفسه في الشارع، دون عمل ودون أي أمل في المستقبل.

شعر منير بلحظات حرجة ربما لا يشعر بها إلا من يمر بهذه التجربة الصعبة إلى أبعد الحدود فما كان منه إلا أن انسحب من بين الصفوف وتوجه بسيارته عائداً إلى منزله، المنزل الذي لم يمض على شرائه أكثر من أشهر معدودة. ماذا سيفعل، كيف سيدفع الأقساط والبنك لا يهمه إذا احتفظ منير بعمله أم لا؟ المهم دفع القسط في تاريخه المحدد وإلا يعمد البنك إلى وضع يده على المنزل والتصرف به. جلس منير وفكر ملياً ماذا سيفعل وما هو الحل. الأولاد يتابعون دراستهم الثانوية، الشركة أقفلت، راودته أمور وأشياء كثيرة متفرقة ومؤلمة.

صعد منير إلى غرفته وبقي طوال النهار لا يكلم أحداً ولا يجيب عن أي سؤال. فقط أمر واحد فعله هو النظر من نافذة المنزل إلى الشمس وهي تستعد للمغيب وقد بدت الغيوم من حولها وأضفت على هذا المشهد الكثير من الجمال والروعة.

ظل منير يحدق بمنظر الشمس وكأنه يقول في قرارة نفسه بأن لكل شيء نهاية في هذه الحياة ولا بد من الغروب، إنها سُنة الحياة ، إنها الحياة!

ظل منير هائماً مفكراً في المستقبل الغامض الذي يواجهه ولكنه ظل متمسكاً بشيء قليل من الأمل، لأنه ما أصعب الحياة وما أضيق العيش لولا تلك الفسحة الضيقة من الأمل.

الأطفال والتلفزيون

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2013

2 حزيران 1995

تتعدد الأسباب والمشاكل في كل بيت والمتهم دائماً هو التلفزيون. نعم التلفزيون هذا الجهاز الخطير الذي يقتحم منازلنا دون إذن أو طلب.

والأطفال وحدهم الضحايا لأنهم يحاولون دائماً وبعقولهم البريئة وطفولتهم المتحفزة للتعرف إلى كل ما يدور في هذا العالم المتفجر والذي لا أدري إلى أين يتجه!

يقضي الطفل في سنوات عمره الأولى الساعات الطويلة أمام جهاز التلفزيون وتكر أمامهم سبحة الساعات المستمرة من البث وخصوصاً في هذه البلاد بحيث تستمر بعض المحطات التلفزيونية ببث برامجها على مدار الساعة أي بمعدل 24 ساعة يومياً، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المحطات العربية. أمام هذا الوضع الخطير جداً بالنسبة للأطفال يوجد سؤال مهم وصعب في نفس الوقت من هو المسؤول عن الوضع: إدارة التلفزيونات؟ الأهل؟ أم المجتمع ككل؟

للإجابة على هذا السؤال وهو سؤال صعب ومعقد في إطار الوصول إلى حل صالح لهذه المعضلة وإذا درسنا هذه المسألة من ناحية سيكولوجية أو نفسية فنلاحظ أن علاقة الطفل بجهاز التلفزيون هي علاقة مؤثرة على كل حركات الطفل وتطال تفكيره وطبيعة علاقاته مع الآخرين لا سيما أن الطفل سيحاول قدر الإمكان تقليد كل ما يشاهده عبر التلفزيون في حياته العادية.

والطفل في حدود العشر سنوات من عمره يصدق كل ما يشاهده ويعتقد بصوابية كل ما يشاهده ويحاول بعقل طفولي بريء أن يحل كل مشهد يراه ونخطئ كثيراً إذا اعتقدنا أن الطفل غير قادر على فهم كل ما يدور أمام الشاشة الصغيرة لا بل ترى بعض الأطفال يتوقعون حدوث أي شيء من خلال مشاهدته وهو ما يحدث فعلاً ويكون هذا الطفل وبعقل طفولي تنبأ مسبقاً بما سيحدث وخصوصاً إذا كان ها الطفل يشاهد برنامجاً يحبه يتعلق بهذا البرنامج بشكل غير عادي وهو أمر يحدث مع أي طفل عن البرنامج التلفزيوني المفضل لديه وسيصله الجواب على الفور. وربما يفكر بعض الناس بأن وجود جهاز التلفزيون هو حتماً وجود مشكلة دائمة مستمرة على الدوام.

والحقيقة إني ألاحظ وبشكل مؤثر طغيان مسألة العنف والقتل والدماء وهو أمر مبالغ فيه سواء على صعيد التلفزيون أو السينما وهو أمر يتعلق بالأرباح المادية البحتة ونلاحظ أن العنف وصل إلى حقل الإعلانات ويستطيع أن شخص ملاحظة هذا الأمر على الشاشة الصغيرة في أي وقت.

وفي واقع الأمر في ظل زحف التلفزيون الرهيب ووجود الصحون الفضائية والتي يستطيع أي شخص عنده جهاز التقاط البث التلفزيوني من متابعة ما يجري في العالم بشكل عام، وهو أمر ربما ترك التأثير على وسائل الإعلام الأخرى فابتعدت الناس عن قراءة الصحف والمجلات والكتب والابتعاد قليلاً عن أجهزة الراديو في عصر الصورة المتحركة والراصدة لكل ما يجري في العالم على مدار الساعة. والطفل بطبعه يستقبل كل شيء بشكل إيجابي وخصوصاً إذا شاهد شيئاً ما على شاشة التلفزيون فإنه وبطبيعة طفولته سيحاول قدر الإمكان تقليد ما شاهده وأذكر في هذا المجار حالة حدثت في لبنان أثناء عرض فيلم (سوبرمان)، وذلك عندما حاول طفل في الخامسة من عمره تقليد هذه الشخصية المزيفة ووقف هذا الطفل على شرفة منزله وهم بالسقوط إلى الشارع محاولاً تقليد سوبرمان ولكن العناية الالهية أنقذت هذا الطفل بواسطة أمه والتي راعها هذا المشهد وتقدمت بكل بطء من خلف هذا الطفل وحملته وأنزلته وبذلك أنقذت حياته من تأثير فيلم أثر على عقله!

وأذكر حادثة ثانية قرأت عنها وذلك سنة 1992 عندما حاول الفتى اللبناني (12 عاما) تقليد منظر شاهده عبر الشاشة الصغيرة وأخذ مسدساً محشواً بالرصاص وأطلق الرصاص على رأسه في غياب ذويه عن المنزل وفي حين استطاعت الأم أن تنقد طفلها ابن الخمس سنوات من القفز عبر النافذة في الحالة الأولى نلاحظ أن الفتى اللبناني أحمد عباس غصن خر صريعاً لأنه كان وحيداً في المنزل وطبعاً عاينت الأجهزة والدوائر الأمنية وأحتل هذا الخبر زوايا لاصحف الداخلية دون أن يكلف أحد من الصحافيين نفسه بالكتابة عن هذا الموضوع على الرغم من أهميته القصوى على كل النشء الصاعد ومستقبله وضرورة إرشاده عبر وسائل الإعلام وتحديداً التلفزيون بدل إضاعة الوقت بعرض أفلام العنف والقتل والجنس!

ووإني ألاحظ أن نسبة عالية من الأهل وبهدف إلهاء الطفل عنهم يعتبرون أن وجود الطفل امام جهاز التلفزيون هو بنسبة الراحة لهم من هذا الطفل وهنا يقع الخطأ الذي قد نقع فيه جميعنا فالكل معرض للخطأ والعصمة لا تكون إلا للأنبياء.

هنا في كندا أثار برنامج تلفزيوني معد للأطفال واسمه (باور رانجرز) أثار هذا البرنامج مشكلة كبيرة في صفوف الأطفال لما يتضمنه من مشاهد عنف وقتل مؤذية للأطفال مما أدى إلى توقف شاشات التلفزة الكندية عن عرض هذا البرنامج. بعد أن وصلت حالات العنف بين الأطفال وخصوصاً في المدارس بحيث شعرت إدارات هذه المدارس في أرجاء كندا بأن العنف المستشري بين الطلاب وخصوصاً الأطفال سببه العنف المستمر في برامج التلفزيون بحيث بدت ملاعب هذه المدارس ساحات عراك مستمرة على الدوام لمحاولة أطفال هذه المدارس تقليد هذا البرنامج وأبطاله في عام 1986، وقد هالني هذا الكم الهائل من البرامج والمسلسلات لاسيما الأميركية وكان الهدف من كل هذه البرامج هو العنف والجنس والقتل، والشيء الغريب بأن توقيت البرامج لم يراع وجود الأطفال في ساعات المساء الأولى بحيث كنت تلاحظ وجود مسلسلات تتضمن العديد من المشاهد المؤذية للطفل في الوقت الذي يكون فيه معظم الأطفال متسمرين أمام جهاز التلفزيون.

وقد بعثت يومها برسالة إلى إحدى المجلات الأسبوعية اللبنانية أناشد فيها القائمين على التلفزيون مراعاة الأصول والقيم رحمة بعقول الأطفال الأبرياء.

ولكن لا حياة لمن تنادي، كان ذلك سنة 1986 فما هي الحال متى عرفنا أن بلد مثل لبنان مساحته أكثر بقليل من عشرة آلاف كيلومتر مربع يوجد فيه أكثر من خمسين محطة تلفزيونية تتبارى بتقديم البرامج العنيفة والمضرة للأطفال.

سواء اكنا هنا أو في لبنان أو أي مكان آخر في العالم يوجد جهاز التلفزيون والضحية دائماً هو هذا الطفل البريء والذي أحاطوه بكل هذا الكم الهائل من المشاهد العنيفة والتي ستؤثر عليه آجلاً أم عاجلاً.

المطلوب ومن أجل كل الأطفال وجود جهاز تلفزيون تربوي بهدف تنمية أحاسيس هولاء الأطفال وهنا أطلقها صرخة تحذير إلى كل الأهل، احذروا من عدو خطير يعيش بينكم وهو التلفزيون والمطلوب الانتباه على الدوام.

قديماً قال جبران أطفالكم ليسوا لكم ، أطفالكم أبناء الحياة.

وأود أن أضيف أنهم أبناء التلفزيون أيضاً فإلى الانتباه لهذا الموضوع الهام والخطير وقبل فوات الأوان ويوم لا تنفع كلمة يا ليتنا !

غربة وشوق

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2018

7 تموز 1995

جلست أتأمل كل شيء من حولي. الطبيعة، الأشجار ، الناس، أرى عظمة الخالق عز وجل في كل إطارات الحياة العديدة.

عادت بي الذاكرة إلى بلدتي الحبيبة الغالية بنت جبيل التي تربض على كتف الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، تعاني الأسر والاحتلال الصهيوني البغيض الذي دنس الأرض الطاهرة بوجوده هناك منذ سنة 1978.

بدت لي تلك المشاهد عن الجنوب الحبيب بشكل عام وكأنه شريط سينمائي يتابعه طفل شغوف لا يعير أي اهتمام لما يحدث حوله إنما يضع كل تفكيره في هذا الشريط لمتابعة مجرياته ومحاولة عدم تفويت أي مشهد من هذا العرض الشيق والأنيس.

تذكرت كل شيء في وطني وبلدتي، البيوت الهادئة الجميلة، الناس الطيبين الكرماء، اللهجة المحلية المحببة، التعاضد والتضامن بين الناس سواء في الأفراج أو الأتراح.

تذكرت كل الأزقة التي كنا نتجول بها، نصول ونجول بين الكروم والأشجار، وبين الصخور والتراب هذا التراب الأحمر وكأنه بلون دم الشهادة القاني الغالي.

أعود إلى واقعي وألتفت إلى حالتنا الحاضرة في هذه الغربة فأجد أن حالات ألا مبالاة والتخبط في أمور سخيفة والهروب إلى الأمام، في هذا المجتمع الذي وبكل أسف شديد أقولها أننا نذوب في خضم هذ المجتمع المبني أساساً على المادة البحتة وليس غير المادة على الإطلاق.

ودور الاغتراب والمغتربين مهم جداً على كل الصعد ولعل أهمها على الإطلاق أن نتذكر شعبنا وأهلنا على الدوام سواء على صعيد الدعم المعنوي والمادي وإقامة الجسور مع الوطن والوقوف مع شعبنا وحقه المشروع في العيش الحر الرغيد أسوة بكل بني البشر في كل أنحاء العالم.

فما هو المانع أن نحوّل غربتنا القاحلة هذه إلى جهود مثمرة ، والحياة بشكل عام هي مد وجزر على جميع الأصعدة، فكم من المغتربين نجحوا في تجاراتهم وصناعاتهم وكتب لهم التوفيق في هذه الحياة وبالمقابل تجد أن البعض لم يحالفهم الحظ والظروف في تحقيق أحلامهم التي رسموها جميلة ، خلابة، قبل التفكير بالهجرة والاغتراب ولكن الرياح جرت بعكس ما تشتهيه السفن وهذا حال الدنيا. هل أعتبر ما يحل لنا في غربتنا على اعتبار أن لكل جواد كبوة ولكل قلم عثرة وأنه لابد لكل فارس من السقوط عن الجواد مهما كان ماهراً وفارسا.

إنها الحياة !!

آن الآوان لكي نخرج من أوهامنا ، وإن نقف ونتأمل من خلال أرواحنا ونفوسنا وأن نميز بين الجد والهزال والحق والباطل.

لنستبدل الدموع والآلام بالابتسامات والفرح. كفانا دموع وأحزان تذرفها عيوننا وتتألم لها قلوبنا.

دعوة لاستبدال الوحدة بالتعاضد والتكاتف عملاً بقول إن يد الله مع الجماعة، المال شيء مهم في هذه الحياة وقد لا نستطيع العيش دون مال الذي يبدو أنه أصبح عصب الحياة، ولكن ما هو تعريفنا للإنسان الغني وللإنسان الفقير؟

هل الإنسان الغني هو الذي يملك المال الوفير والحسابات الكثيرة في المصارف المتعددة؟

وماذا عن الشعور والإحساس والأخلاق وهل أصبح الأمر أن نحكم على أي شيء من خلال ماله لا أخلاقه وسلوكه في هذه الحياة؟

فلنخدم أهلنا وأوطاننا دون أي تزييف أو رياء. ويعجبني مثل عامي في لبنان يقول:

الشجرة التي تبخل حتى بظلالها على الأرض من الأفضل قطعها!

لنتأمل أيها الأحبة عظمة الباري عز وجل بالإضافة إلى هذا السر في عظمة الخالق وأينما التفتنا نجد عظمة ومقدرة الله تعالى.

يجب أن لا ندع غيوم الكراهية والحقد والتباعد تظلل على شمس الحقيقة والحب الساطع. لنشجع أي طاقة أو موهبة تخرج من صفوفنا في هذه الغربة وصدقوني ان أي نجاح لأي فرد منا هو نجاح للجميع، صدقوني إنها الحقيقة بعينها!

لنتعامل بمنطق الأخوة وهل يوجد أجمل من كلمة أخ وما تحمله هذه الكلمة من معاني سامية ومؤثرة.

لننظر إلى السماء نراها صافية مشعة بنور الحقيقة، لو ارى ذلك اليوم التي تنقشع فيه تلك الغيمة السوادء من أمام وجوهنا في سبيل مستقبل ناصع وحالم.

لنتوجه جميعاً في أعمالنا وتطلعاتنا إلى الباري عز وجل نسأله التوفيق والنجاح في كل أعمالنا. لا أدري عن أي وصف للغربة أتكلم؟ هل أردد مع رشيد نخله ما قاله “اللبناني كبعض أنواع الشجر، من ذلك الذي لا تطيب له الحياة إلا في تربته، فإذا هو نقل إلى غيرها، لوى عنقه من هم الفصال أو مات فوق جذعه”.

لن نقضي حياتنا في العذاب والهم والوقوف على الأطلال لننظر إلى الحياة بمنظور مختلف على اسس المحبة والتكاتف والخير.

وأنا أكتب هذه الكلمات تنطلق أغنية عبر المذياع بصوت سفيرتنا إلى النجوم أو سفيرة النجوم إلينا السيدة فيروز:

يا جبل البعيد خلفك حبايبنا

بتموج متل العيد وهمك متاعبنا

لنتمسك بالأمل لأنه ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

الحسد والحسادون

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2011

19 آيار 1995

ترددت في بادئ الأمر قليلاً عندما أمسكت القلم وأردت أن أكتب عن موضوع أصبح مع الأسف الشديد شيئاً ملازماً لمجتمعات الجالية العربية أقله على مستوى المدينة التي نعيش فيها وهي وندسور. الموضوع الذي سأتناوله هو موضوع الحسد.

فمع الأسف الشديد أقولها مجدداً أصبحت الأحظ مؤخراً أن موضوع الحسد قد استشرى عند بعض الناس من المغتربين العرب في هذه البلاد، فالتلميذ في مدرسته أو جامعته إذا حصل على نتائج جيدة في دراسته يكون مثار الحسد من البعض، ورجل الأعمال الناجح إذا وفقه الله في عمله يكون أيضاً مثار حسد الآخرين وهكذا دواليك.

مما لا شك فيه بأن الحسد معضلة صعبة الحل ولا بد أنه موجود في جميع المجتمعات سواء اعترفنا بهذا الواقع أو لم نعترف. وإني لا أدري بالضبط لماذا تتكون عند أي فرد مسألة مزاولة الحسد بحق الآخرين؟

والحسد درجات متفاوتة قد تبدأ من حسد الطفل الصغير لطفل آخر على لعبة يحملها أو شيء يأكله، لتصل إلى المجتمع المخملي كما يسمى فهناك أناس كثييرون وصلوا ربما إلى مستويات عليا أو مراكز مرموقة ولكنه داء الحسد العضال ظل يرافقهم حتى في ظل وجودهم في مراكز القرار على سبيل المثال فإن غريزة الحسد تظل متحركة عنده ضد الآخرين على أشياء سخيفة جداً بحق الآخرين.

هل لكم أن تتصوروا معي مجتمع قائم بذاته يسوده الحسد والنميمة؟ قد ينجح إنسان ما بعمل يقوم به أو جهد متميز حققه دون الآخرين، وقد يكون هذا الإنسان نظيف الكف عفيف اللسان لا يريد النزول إلى مستوى ضعيف من التعامل المسيء مع الآخرين، ترى أنه يتعرض لسهام من الحسد والنميمة من بعض الناس لا لذنب ارتكبه إلا لأنه نجح وحقق شيئاً معيناً سواء على مستواه الشخصي أم على صعيد المجتمع ككل.

وقانا الله تعالى جميعاً شر الحسد والحساد لان الإنسان الحاسد يتحول إلى شخص فاقد لكل مميزاته الإنسانية وتتغلب على نفسه تلك الرغبة القاتلة في حب الذات والكره للآخرين. ولأنه ممكن أن يكون في موقع عال أو مركز مرموق ولكن الحسد يعمي بصره وبصيرته فينقض على كل إنسان طموح ليهزمه ويقطع عليه الطريق للوصول إلى النجاح في هذه الحياة، إنها قمة درجات الحسد تحصل في هذه الحالة. قد يقول قائل إن الانسان طموح بطبعه ويجب أن لا تقف أية عوائق أمام هذا الطموح والرغبة في الوصول إلى ما يتمناه كل مرء، نعم أقول لكل إنسان الفرصة في النجاح والاجتهاد في سبيل مستقبل أفضل ولكن ليس على حساب الآخرين كأن يعمل أي شخص في شركة ما فيناصب العداء لزملائه وتكون طريقته في العمل اللجوء إلى الوشاية وفبركة الأضاليل ضد الآخرين لكي يحوذ على تهنئة من رب العمل مقابل عمله هذا إنها طريقة غير أخلاقية وبعيدة كل البعد عن التعامل الإنساني بين أبناء البشر.

من أجمل الحكم التي تناولت الحسد وتعجبني حكمة أعرفها وكنت أشاهدها منذ طفوتلي داخل سيارات الأجرة والحافلات العمومية في الدول العربية كافة والحكمة تقول:

“لله در الحسد ما أعد له بدأ بصاحبه فقتله”

اللهم نسألك أن تبعد عنا جميعاً شر الحسد والحاسدين في حياتنا اليومية لما فيه الخير للبشر وكل البشر في أرجاء هذه المعمورة الواسعة.

حول الزجل اللبناني

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2009

5 أيار 1995

يعتبر الشاعر الزجلي اللبناني زين شعيب أبو علي من أهم ركائز هذا النوع من الشعر الزجلي على صعيد الوطن الحبيب لبنان والوطن العربي.

هذا الشعر والزجل الذي يعتمد على التباري بين الشعراء وصولاً إلى الكلمة الطيبة والشعر الزجلي الموزون، على هذه الخطى فتح زين شعيب عينيه ويقول عن بدايته: “وعيت على هذه الدينا وأنا أتعشق الشعر وأقوله، وكنت أقدم طعامي في المدرسة إلى من يعلمني مقطع من الشعر”. لفت الشاعر زين شعيب الأنظار والانتباه إليه وهو في سن الرابعة عشرة من عمره أثناء حفلة زجل أقيمت في مدينة النبطية لجوقة شحرور الوادي وكانت الحفلة تضم الشاعر اللامع علي الحاج الذي كان قد سمع عن زين شعيب أبو علي وعرف عنه ذكائه الشديد وسرعة بديهته ولاسيما أن زين شعيب حمل لقب (أبو علي) منذ صغره فأراد الشاعر علي الحاج أن يداعب أبو علي ويتحداه في الشعر قائلاً:

يا زين عود الزين رمح المرجلي

من نصلتو عتم الليالي بينجلي

تمرجل وجول بكل ساحات البشر

بس أوعى تخشى عاساحة علي

وفي هذه اللحظات تعالت الهتافات من الجمهور الذي طلب من زين شعيب أن يرد على علي الحاج فصعد أبو علي إلى المنبر وارتجل ردة من الشعر على نفس الوزن والقافية وقال:

يا علي عابو علي لا تعتلي

ساحة علي التلتين بالطابو إلي

صرلك عكرسي الشعر 50 عام

وبعدك علي ما صار اسم أبو علي

وها هتف الجمهور بالتصفيق الحاد، فما كان من الشاعر علي الحاج إلا أن ضمه إلى صدره وهنأه على هذا الجواب.

بعد هذه الحفلة مباشرة ذاع صيته بين متذوقي الشعر وهو في سن الرابعة عشرة من عمره، وكان له الفضل في ذلك الوقت في تأسيس جوقة الجنوب العاملي مع الشاعر خليل روكز من بلدة وادي الليمون والشاعر عبد الجليل وهبي من بلدة حاروف العاملية ، وزين شعيب من بلدة الشرقية قرب مدينة النبطية وقد اشتهرت هذه البلدة بكثرة شعرائها أسوة بكل قرى جبل عامل الأشم، هذا الجبل الصامد بوجه العدو الصهيوني الذي ما برح يقدم شعراً ودماً ومقاومة. عمل زين شعيب مع فرقة زعلول الدامور فترة طويلة من الزمن ولا أدري لماذا حصل الانفصال الفني بين زغلول الدامور وزين شعيب لأن وجودهم في جوقة واحدة كان يضفي اللذة والحماس لكل متذوقي الشعر.

عمل زين شعيب على تطوير أشياء كثيرة في الزجل وذلك بزيادة أبيات الردة إلى أربعة وأحياناً ستة رادت لتصل إلى ثماني ردات دفعة واحدة، وعرف عن أبو علي أنه اتجه بالشعر الزجلي إلى الاهتمام بالآم الناس ومعاناتها اليومية مع الحياة، وعبر عن هذه الأحاسيس في مطلع عام 1959 وذلك لدى افتتاح تلفزيون لبنان الذي افتتح بحفلة زجل لجوقة زغلول الدامور.

يتمتع الشاعر زين شعيب برحابة صدر عالية وفتح قلبه لجميع الشعراء المبتدئين وغدا كأنه مرجعاً في مجال الشعر والزجل.

لم تقتصر شهرة أبو علي وزملائه من الشعراء الآخرين على لبنان والوطن العربي فحسب بل تعدتها إلى أرجاء المعمورة الواسعة وصولاً إلى القارات الخمس بحيث لا تخلو أي مدينة في جميع أرجاء العالم من وجود الاغتراب اللبناني خاصة والعربي الشقيق بشكل عام.

اعتز الشاعر زين شعيب أبو علي بأصله العاملي وفخره بهذا الجبل القهار، ويشهد على ذلك مئات بل الآف الأبيات من الشعر التي تتحدث عن أرض الجنوب ومحبة الوطن الغالي لبنان.

وقد عبر عن ذلك في الكثير من المناسبات وهاهو في مطلع إحدى قصائده أثناء إحدى الحفلات الزجلية في بلده حبوش في جنوب لبنان يقول:

اكتبي بدم الفطاحل يا صحيفي

نزل للحرب بو السطوة المخيفي

وإذا ما بينزل التاريخ ضدو

اندهيلو تراجع الحملة خفيفي

اندهي جنود المنية يستعدو

فئة للذبح فرقة للعليفي

المقابر شهر صرلن ما تغدو

وما غلهن خزب إلا من رغيفي

أنا ابن الجنوب اللي انعدو

رجالو جنود عحدودو الضعيفي

حدود صارت بكدو وجدو

دروع بتكسر سيوف الرهيفي

أنا اللي اجتزت للمريخ حدو

ولمهري نجمة الزهرة مضيفي

الشمس يللي سوالفها اسودوا

انرجعت بنت باخذها خطيفي

وعلى حبوش مد الدهر يدو

وعطاها اربع حروف اللطيفي

نص (ب) نصن (وش) خدو

نزل باسو القمر بوسة نظيفي

وبحرف الحاء حامل سيف حدو

انحمل من بو الحسن أول خليفي

وبحرف الباء بيت المانهدو

حجارو تاصبح كعبة شريفي

وبحرف الواد للشعار ردوا

عمسرح بو علي يأدوا الوظيفي

وبحرف الشين جدي شعيب بدو

الليلة يشكشك رقاب الفوارس

قبل شك التين بعد القطيفي

إضافة إلى الكثير من القصائد التي تمجد الجنوب أرضاً وشعباً وتراباً. وعرف عن الشاعر زين شعيب أبو علي حبه الشديد لشعر الغزل ومرة سألته إحدى السيدات بعد أن نظرت إلى القمر ووجدت نصف القمر مضيء والنصف الآخر مظلم سألته ماذا يوحي له هذا المنظر فبادرها وكأن الجواب كان تحت شفتيه:

يا بدر يا سابح بطوفة مدمعي

سكران جسمي وعند ما شافك وعي

وبمقص عيني قسمت جسمك شقفتين

نصك بقي بالجو والتاني معي

ومن رداته التي اشتهر به:

روحي وروحك يا روحي

روحين بروح

إن راحت روحك يا روحي

روحي بتروح

كنت بحطك عجفوني

كحلة للعين

بس بخاف من عيوني

تصيبك بالعين

وفي مجال الميجانا والعتابا يقول في جملة أخرى:

يا لا ففي الزنار غيرك لم الف

عزرايل من نبلة عيونك لم الف

وخصرك المايل شفت حرفو لام الف

انت الالف واللام المطعوج انا

ويقول في جملة أخرى:

يا سمرا اللي بعيوني انتقلتي

أنا ما قلت بتعب انت قلت

لا تهتمي بوزنك ان تقلت

شو تقلك تقل كحلة عالهداب

ويقول زين شعيب في قصيدة أرسلها لأحد أصدقائه من السفراء اللبنانيين في المغرب العربي وهو السفير جودت نور الدين يقول في هذه القصية:

اقبل العيد وفي جعبته

ذكريات هي أغلى ما لدي

كنت أخفيها فلا أظهرها

حذر اللوعة أن تطغى عليّ

أنت هيجت الذي في أضلعي

فاكتوى منه فؤادي كل كي

فتلفت إلى غرب الدنى

اجتلى الأفاق في نشر وطني

رحم الله زماناً بيننا

وسقى حيا نزلنا خير مي

واحة كان إذا ما عدته

أجد الراحة في ظل وفي

كنت تنسيني همومي والشقا

وتداوي الجرح في لطف خفي

حسبنا تلك الهنيهات التي

هي أغلى، هي أحلى كل شيء

يا صديقي حنت النفس إلى

تلكم الأيام فأرددها إلي

أنت قد عودت أن تبدأني

فتعودت فعدها يا أخي

ولعل أجمل ما سمعت من شعر زين شعيب أبو علي قصيدة له بمناسبة عيد الأم ونال عليها جائزة كبيرة لما تضمنته من تصوير رائع وصميم لعاطفة الأم ويقول فيها:

أمي الجنة تحت اجريك

والعاطفة دمعة بعينيك

من قلبك لحضنك نقل قلبي

وعمري ترعرع بين أيديك

أمي بعيدك بزرع الأزهار

بجنة رضاك عابواب الدار

وبعمل عيوني فراشتين زغار

مراوح هوا يرفوا حواليك

امي إذا اجمعت السنين بعين

وعين مال الكون نقدي ودين

ومن لوح صدري اسحب الك ضلعين

وحق السما ما بيكترو عليك

بعيدك يا أمي اسبحت بالتفكير

شو بجبلك وفضلك عليّ كبير

تمنيت حالي كون طفل زغير

ومن قبل عيدك يسرقوني بيوم

وبيوم عيدك انهدى ليك.

من الشعراء الزجليين إضافة إلى زين شعيب أبو علي هناك زغلول الدامور (جوزيف الهاشم)، طليع حمدان ، أسعد سعيد ، خليل روكز، السيد محمد مصطفى، خليل شحرور ، علي الحاج ، موسى زغيب وغيرهم من عشرات الشعرات الذين أضفوا على الزجل والشعر اللبناني رونقة ونكهة خاصة. ما أجمل اللغة العربية سواء أكانت نثراً أو شعراً أو طرباً.

مهري إن جاع وبدو نخاع

تلات سباع بيكفوني

بمدة باع ملكت مشاع

تلات ارباع المسكوني

حرب السمك

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2008

28 نيسان 1995

احتل موضوع النزاع البحري القائم بين كندا من جهة وإسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة من جهة ثانية المكان البارز في وسائل الإعلام الكندية المقروءة والمسموعة والمرئية.

والقضية بدأت حين منعت السفن الحربية الكندية سفن الصيد الإسبانية قبالة حدود مقاطعة “نيوفنلاند” وحجة كندا في هذا الشأن أن السفن الإسبانية تستعمل الشباك الصغيرة جداً مما يؤدي إلى جرف كل الأسماك الصغيرة والتي يحرم القانون الدولي اصطيادها حسب ما تقول به كندا.

ومن ناحية إسبانيا فماتزال المراكب الإسبانية الخاصة بالصيد تقوم بعملها في اصطياد الأسماء من المياه التي تعتبرها كندا ضمن مياهها الإقليمية وتبرر كندا عدم سماحها بالصيد في تلك المنطقة وبهذه الأعداد الهائلة التي تحصل عليها إسبانيا وباقي دول السوق الأوروبية المشتركة بأنه يوجد خطر فعلي في انقراض الثروة السمكية في تلك المنطقة بشكل جدي.

القضية الآن رفعت إلى الأمم المتحدة وهذه الأخيرة تعمل جاهدة على قاعدة أن لا يموت الذئب وأن لا يفنى الغنم!

كندا أعلنت من جانبها وعلى لسان وزير الثروة المسكية بأن الإسبان والأوروبيين مجتمعين قد اخترقوا قوانين الأمم المتحدة في عمليات الصيد التي تجري في تلك المنطقة من كندا وأضاف الوزير أن على إسبانيا أن تعيد النظر في موضوع الصيد في تلك المنطقة حفاظاً على الثروة السمكية في أعماق البحار.

وقد نظم الوزير الكندي رحلة بحرية من كندا إلى نيويورك إلى ممثلي وسائل الإعلام العالمية وبمن فيهم ممثلي وسائل الإعلام الأوروبية ومن إسبانيا أيضاً شارحاً لهم خطورة الاستمرار في الصيد على هذا المنوال.

أذكر ومنذ دراستي للمرحلة الإبتدائية والمتوسطة في لبنان بأننا كنا نقرأ عن كندا بأنها دولة غنية جداً بالموارد الطبيعية والأخشاب والقمح ومواد مهمة أخرى. وبالفعل بأن الصناعة السمكية في كندا هي من الصناعات الهامة بالنسبة لهذه البلاد ولا سيما متى عرفنا بأن المياه تحيط بكندا من عدة أماكن ولا سيما في منطقة نيوفنلاند بحيث تقول كندا أن حدودها البحرية تمتد في تلك المنطقة في عمق 200 ميل بحري. القضية الآن أمام الأمم المتحدة وقد شاهدت مؤخراً على شاشة التلفزيون الكندي مشاهد عن مواكبة السفن الحربية والبوارج الإسبانية لسفن الصيد وبالمقابل تقول إسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة أن كندا ما تزال تعمل وبواسطة السفن الحربية الكندية على منع سفن الصيد الإسبانية من ممارسة الصيد في المياه التي تقول عنها كندا أنها ضمن مياهها الإقليمية وتدخل ضمن سيادتها فيما تعتبر إسبانيا أن المنطقة التي يصطاد صيادوها بها هي مياه دولية.

ومن المعروف بأن كندا وقعت في الماضي على معاهدة اعتبرها الأوروبيون فرصة سانحة لهم للصيد في تلك المياه المتنازع عليها حالياً، وتكرر المصادر الكندية وبشكل يومي بأنها تشعر بالندم المستمر لتوقيعها على تلك المعاهدة، وبدورها تدق ناقوس الخطر بالنسبة للثروة السمكية بشكل عام.

وبين إصرار كندا على توقيف السفن الإسبانية ، تقول إسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة بأن على كندا أن تسمح لسفن الصيد هذه بالعمل ولو بشكل مؤقت وحى ظهور نتيجة ما ستقوله اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة في هذه القضية والتي تبدو شائكة ومعقدة في ظل إصرار كل جانب على رأيه وأحقيته في صوابية رأيه.

التلفزيون الكندي عرض تقرير مصورعن طبيعة السفن الإسبانية التي احتجزتها البحرية الكندية وقالت بأن هذه السفن هي عبارة عن مصانع لتعليب السمك على الفور، أي أن عملية اصطياد الأسماك تتم بسرعة هائلة ويتم تعبئة السمك في علب جاهزة وعندما تصل هذه السفن غلى الشاطئ الإسباني تكون كميات الأسماك جاهزة للبيع وليست بحاجة للتوضيب والتعليب.

وزير الثروة السمكية الكندية السيد براين توبن يظهر كل يوم على شاشات التلفزة ومن خلال وسائل الإعلام الأخرى يحث الشعب الكندي والدول الأخرى على مساندة كندا في هذا الموضوع وهو تلقى التأييد في هذه القضية من نظيره وزير الثروة السمكية الألماني وكذلك أيده نظيره البريطاني في الوقوف إلى جانب كندا في هذا الموضوع. لا أدري ماذا حل بهذا العالم وأخشى ما أخشاه من نشوب حرب طاحنة بين كندا من جهة وإسبانيا والسوق الأوروبية المشتركة من جهة أخرى أقله حرب على الصعيد الدبلوماسي.

الكرة الأرضية أصبحت كلها ساحة للصراعات سواء على سطح الأرض أو في أعماق البحار والمحيطات أو عبر الفضاء والأجواء.

لا أدري لماذا تذكرت في هذه اللحظة كلمات للمطرب الفذ صباخ فخري يقول فيها:

صيد العصاري يا سمك يا بني

تلعب بالميه لعبك يعجبني

صيادك ماهر بياعك شاطر

ووجودك نادر محلاك يا بني

لمن ستكون الغلبة في هذا الصراع الدائر لا أحد يدري والانتظار فقط هو سيد الموقف!

الحجاب الإسلامي والغرب

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2004

مجلة نور الإسلام – بيروت

31 آذار 1995

بعد الحملة العنيفة التي شنتها فرنسا وبعض الدول الأوروبية في الأشهر القليلة الماضية حول مسألة الحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات، لاسيما في فرنسا حيث يبلغ تعداد الجالية الإسلامية هناك حوالي 5 ملايين مسلم، يبدو أن حمى العنصرية والانحياز الفاضح قد وصلت بوادرها إلى كندا وإلى مقاطعة كيبك الفرنسية تحديداً حيث بادرت إحدى مدارس مونتريال إلى طرد فتاة تبلغ من العمر 15 سنة، وقد شاهدت فعلاً برنامج خاص عن هذا الموضوع على شاشة شبكة CBC الكندية تحدث عن هذا الموضوع بإسهاب. المهم في هذا الأمر وأنا أعالج هذه المسألة عبر هذه السطور ومع احترامي الشديد لكل الديانات والمثل السماوية التي مانزلت يوماً إلا لما فيه خير ومصلحة البشر على جميع الصعد، ألاحظ بأنه كان المستهدف في هذه الحملة الحجاب الإسلامي دون غيره من مظاهر اللباس بشكل عام في بلد مثل كندا بحيث تلاحظ أن الشخص القادم من البنجاب في الهند يعتمر عمة على رأسه والحال كذلك بالنسبة لليهود فهم يعتمرون القلنسوة على رؤوسهم وهناك العديد من الأمثال الأخرى. لماذا الحجاب الإسلامي إذاً هو المستهدف؟ أعود وأكرر بأنه وأنا أطرح هذا الموضوع على بساط البحث لا أتحيز إلى الدين الإسلامي بشكل عام ولكن مسألة الحجاب وغطاء الرأس هي مسألة مهمة جداً للمرأة في الدين الإسلامي وبالتالي فإن لهذا الأمر مردوداً سلبياً جداً إذا ما استمرت إدارات المدارس في قرارها هذا بطرد كل طالبة مسلمة ترتدي الحجاب الإسلامي.

ضمن البرنامج التلفزيوني الذي شاهدته يسأل المذيع والد هذه الفتاة العربية عن رأيه في هذا الموضوع، فيرد هذا الوالد “بأنه عندما حضر إلى كندا كان يظن أنه بلاد حرية الرأي والمعتقد، ولكنه فوجئ بإدارة المدرسة تطرد إبنته لأنها تلبس الحجاب وهذا ما لم يكن يتصوره أو يخطر بباله على الإطلاق.

وأضاف بأنه يشعر بالحزن الشديد على قرار المدرسة وأنه لا يستطيع أن يفرض على ابنته أن تخلع الحجاب لكي تسمح لها المدرسة بأن تعود إلى دراستها كالمعتاد. ما يحيرني ويؤلمني في هذه البلاد أن نظرتهم ومعرفتهم عنا كعرب ومسلمين جداً سطحية وتعتمد على الصورة المشوهة التي يصورونا بها الإعلام الغربي على الدوام.

إنه أمر مستغرب أن يحصل هذا الأمر في دولة يحتل البند المتعلق بحرية الإنسان في معتقده وتفكيره وبالتالي طريقة ملبسه، يحتل هذا الأمر صدر القانون والدستور الكندي.

لماذا هذا التركيز على مسألة الحجاب الإسلامي لاسيما إن عدة وسائل إعلام كندية من مرئية ومكتوبة ركزت على هذا الأمر ودعت إلى منع كل الطالبات المحجبات من دخول المدارس حتى يخلعن الحجاب. لم أطرح هذا الموضوع لكي أفرق بين الدين الإسلامي والمسيحي لا سمح الله ولكن المسألة تحتاج إلى جهد حثيث لمعالجة هذا الأمر بشكل جدي وصريح. المسألة الآن مازالت محصورة في عدة مدارس في مونتريال ولم تنتشر في جميع أرجاء كندا حتى الآن على المدى المنظور، والمطلوب المزيد من العمل لشرح أهمية الحجاب الإسلامي وغطاء الرأس بالنسبة للمرأة المسلمة، لاسيما في هذه البلاد بحيث للفرد أي فرد الحرية في طريقة تفكيره ومعتقده وبالتالي حريته في ممارسة شعائره الدينية ضمن الأطر والقوانين الكندية المرعية. لم أشاهد طيلة حياتي أي راهبة جليلة سواء في لبنان أو هنا أو أي مكان آخر، إلا وقد لبست الرداء الطويل وغطت رأسها بمنديل مما يضفي عليها الاحترام والمهابة.

المطلوب ترك الإنسان أن يمارس شعائره مثلما يريد لاسيما في هذه البلاد التي تدعي الحضارة والتقدم ليشعر المرء أنه فعلاً حر بما يشاء وقادر على الاحتفاظ بحريته على الدوام.

دعوا كل إنسان أن يمارس شعائرة الدينية كما يرى من ناحية الملبس أو الممارسة على صعيد الحياة اليومية. قرأت مؤخراً مقالاً في إحدى المجلات يشير إلى أن الدين الإسلامي أصبح يحتل المركز الثاني في عدة دول ومنها فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وكندا والبرازيل والأرجنتين وعدة دول أخرى، والحري بهذه الدول أن تحترم هذا العدد الكبير. مشكلتنا في هذه البلاد كعرب ومسلمين بأن صورتنا مشوهة لأن وسائل الإعلام هنا يسيطر على معظمها اليهود، وبالتالي ليس من مصلحة اليهود إظهارنا وكأننا شعب حضاري له تاريخ وتراث عريق.

الدين الإسلامي هو دين علم وتقوى وهو دين الدفاع عن الحق وإزهاق الباطل.

ليس من المسموح أبداً من أي دولة كانت أو علا شأنها أن تتخذ من مسألة الحجاب الإسلامي ذريعة لتهاجم الدين الإسلامي وتنعته بشتى الأوصاف، والمثال على ذلك السيء الذكر الكاتب الفاشل سلمان رشدي الذي وبقدرة قادر تحول من كاتب عامود في إحدى الصحف إلى مثال للجدل بعد أن تجرأ وتعدى بالكلام على أقدس مقدسات المسلمين من خلال كتابه المشؤوم آيات شيطانية.

إلى المزيد من الوعي والانتباه لكل ما يجري ويحدث في عالمنا المتقلب هذا، بالعودة إلى تعاليم الله تعالى المبنية على المحبة والسلام والعدالة، وهو ما أقرته جميع الديانات والأعراف السمانوية في سبيل عالم تسوده العدالة ويرفع من قاموسه كلمات كالقهر والظلم والعدوان.

أملنا بالباري عز وجل كبير، إن الله تعالى على كل شيء قدير.

من هو الإنسان المحترم

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 2003

24 آذار 1995

يعجبني الإنسان العادي المحب لكل الناس، الذي لا يعرف الكره أو النفاق الطريق إلى قلبه.

الإنسان المتميز بروح طيبة ، المتفاني في عمله والمخلص إلى أبعد الحدود. الإنسان الذي يتألم ويحزن على أي شيء يحصل لغيره من الناس.

يعجبني الإنسان الذي يشعر بالشقاء والخيبة إذا ما خيب ثقة أحد ما. إنه الإنسان الذي يكره الكذب والاحتيال والظلم والنفاق وما أكثر هذه الأمور في حياتنا الحاضرة مع الأسف الشديد.

يعجبني الإنسان الذي تؤلمه دمعة في عين طفل يتألم، ويتألم لمعرفته بأن إنسان ما يتألم بصمت. وخصوصاً إذا كان هذا الإنسان بريئاً لا ذنب له يدفع ثمن طيش وأخطاء الآخرين.

هل خلقنا لنعيش تعساء متألمين وأن نظل نشقى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً؟

يعجبني الإنسان الذي يبكي عند فراق صديق أو قريب راح كبش فداء لغيره في زمن ما أكثر فيه الظالمين والمظلومين على حد سواء!

ما أفضله هذا الإنسان الذي يفرحه معاشرة الناس والأصدقاء، والذي يطمئن عنهم دائماً ويسأل الله أن تكون الأمور سائرة معهم على أحسن ما يرام دائماً وأبداً. إنه الإنسان الخلوق والنزيه على الدوام. يعجبني الإنسان الغير متسرع والمتريث في اتخاذ أي قرار سواء أكان قرار مهم أو عادي وذلك لكي يضمن نتيجة مؤكدة وصولاً إلى قرار سليم.

يعجبني الإنسان والرجل تحديداً الذي يحترم المرأة ، هذه الإنسانة الجديرة بالحب والاحترام سواء أكانت أم عطوف أو زوجة مخلصة أو ابنة حنونة أو حبيبة جديرة بالحب والاحترام، يعجبني الانسان الذي يحترم المرأة التي يجب أن تتعلم وأن تمارس حقها الطبيعي في أداء أي عمل تراه مناسباً لها وتعرف بأنها جديرة بالقيام به والنجاح من خلاله.

هذه المرأة الذكية، البعيدة عن التبرج الزائد والتي تفرض الاحترام على نفسها ولها في أي مجتمع أو مكان تحل فيه. يعجبني الإنسان القائد الذي يتميز بالصدق والإخلاص المتفاني في سبيل خدمة شعبه ووطنه بكل تجرد وأمانه، القائد الذي يضع نصب عينيه خدمة ورفاهية شعبه، المتبعد كل البعد عن مظاهر البذخ والترف، القريب من شعبه، الذي ينزل إلى عامة الشعب متفقداً صفوفه وسائلاً عن أحوال هذا الشعب، ويكون دوماً كالأب العطوف.

القائد الذي لا يعزل نفسه داخل جدران قصره، الذي لا يضع الستائر في سيارته لكي لا يرى الحقيقة على الأرض. يعجبني الإنسان المتعدد المواهب الذي يصول ويجول في ميادين مختلفة في حياتنا هذه، فتراه ينجح في كل شيء بامتياز لافت، ويفرض حضوره المميز بألق وإقناع لا بقوة السيف.

يعجبني الإنسان الذي يترك بصماته من عمل الخير والثواب في كل حق يرتاده وعلى كل باب من أبواب الدنيا الواسعة يطرقه.

يعجبني الإنسان الغزير في عطاءاته وحبه للآخرين، الغني في رؤيته للأمور عن كثب والمتعمق في أي مضمون يخوضه، والحائز على الوسامة في أي بيان، والبارع في خياله وتنبؤه للمستقبل، والمتميز في رقته لتصوير الأشياء على حقيقتها دون أي رتوش. القادر على اختيار المعاني والكلمات المناسبة واللائقة في أي مناسبة وجد فيها.

يعجبني الإنسان الذي تفيض شخصيته بشاعرية متميزة في احترام وحب الآخرين، المبتعد عن الأنانية وحب الذات. والذي عنده بوح حميم ودافئ عما يصول ويجول داخل نفسه، هذا الإنسان الذي تزين شفتاه كلمات الحق على الدوام دون أي تحيز أو رياء ومهما كانت الظروف من حوله.

يعجبني الإنسان الصادق بكل أفعاله وأقواله والجرئ في كل خطواته والمبدع في عمله، الخلاق النادر، الإنسان الذي يداوي بجرأته وصدقه عتمات الظلام والجهل والتخلف.

إنه الإنسان الذي يعيش إنسانيته بكل ما لهذه الكلمة من معنى ومضمون بمعزل  عن اللون أو الجنس أو العرق. إنسانية الإنسان المعذب والمقهور في هذه الدنيا. تلك الميزة الخاصة التي ميز الله بني البشر بها دون سائر مخلوقاته في هذه الدنيا الواسعة.

لقد خُير الإنسان في هذه الدنيا والأمور أمامه واضحه وباديه كعين الشمس فيوجد الخير والشر، والطهارة والرذيلة، والإيمان والكفر، والنور والظلام وهنا تعود إلى الإنسان أن يختار الطريق الذي سيسلكه في حياته اليومية والطريقة التي يتعامل بها مع أبناء جلدته.

حري بالإنسان ، يأخذ الناس العظماء قدوة له في حياته يتعلم من نجاحاتهم ويتجاوز قدر الإمكان الأخطاء والتي لابد لكل إنسان مهما علا شأنه أن يقع فيها لأنه لا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ فالعصمة لا تكون إلا للأنبياء وحدهم بمشيئة الباري عز وجل.

ضجيج الآلات

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1999

24 شباط 1995

استيقظ صابر كعادته عند الخامسة من فجر ذلك اليوم وكان عليه أن يبدأ نهاره كالمعتاد، كان يستيقظ صباحاً متثاقلاً وكأنه يحمل هموم هذا العالم وأحزانه فوق رأسه. يبدأ بتحضير الطعام وكوب من الشاي يتناوله عادة وهو يحضر الزاد ليتناوله ساعة الغداء في الشركة التي يعمل بها، تلك الشركة التي تصنع قطع السيارات المتنوعة.

عندما كان مُنبه الساعة يرن بشكل مزعج خارقاً سكون الفجر. كان صابر يستيقظ مذعوراً وكأنه رأى كل الأحلام المزعجة دفعة واحدة!

ضجيج الآلات

كان صابر لا شعورياً بعض الأحيان يقذف بالمنبه جانباً لاعناً صوته المرعب. ولا أعرف بالضبط لماذا أصر صابر على الاحتفاظ بهذا المنبه صاحب الصوت المريع وهو القادر على استبداله بمنبه لصوت عصفور يزغرد مثلاً! المهم كان صابر يغادر منزله عند السادسة من كل يوم وكان عليه بأن يبدأ عمله عملياً لحظة خروجه من المنزل تحديداً، فأيام الثلج في هذه البلاد كثيرة، فيخرج ليزيل أكوام الثلوج المتراكمة على سيارته فأحياناً يكون الثلج ناشفاً وأحياناً إذا ترافق سقوط الثلوج مع تساقط الأمطار يتحول هذا الثلج إلى ما يشبه الزجاج وكان على صابر في هذه الحالة أن يعمل بشكل مجهد وعنيف لكي يزيل الثلج المتفرز عن زجاج السيارة لكي يستطيع أن يذهب إلى العمل. وكان صابر يسمع كل يوم ولحظة إدارته لمحرك السيارة صوت الزيت المتجمد داخل محرك السيارة. سبحان الله كل شيء متجمد في هذه البلاد حتى مشاعر بعض الناس وأحاسيسهم، تلاحظ بأنه وكأن الثلوج والصقيع أصابتها بالتجمد!

يتحرك صابر بسيارته قاصداً الشركة التي يعمل بها وكم كان يتوقف أحياناً كثيرة ليساعد صاحب سيارة متوفقة هنا أو لكي يساعد على شحن بطارية إحدى السيارات المتوقفة هناك ، مع العلم أنه هو نفسه تعطلت معه سيارته القديمة الصنع ولم يتوقف أحد لمساعدته ولكنه وكأن لسان حاله يقول مع أنهم أحياناً يتركوني وحيداً في الصقيع والثلوج فأنا سأظل على عادتي وتقاليدي وسأساعد كل من أراه بحاجة للمساعدة.

كان للشركة التي يعمل صابر فيها دوامان نهاري، ويبدأ عادة عند السابعة صباحاً وحتى الرابعة والنصف عصراً ، ودوام ليلي من الرابعة والنصف عصراً وحتى الثالثة من فجر اليوم الثاني.

وكانت إدارة الشركة أحياناً عديدة تزيد من ساعات العمل فيصبح نهاراً من السابعة صباحاً وحتى السادسة مساء والدوام الليلي من السادسة مساء وحتى الخامسة فجراً، مع العلم أن قانون العمل محدد بثماني ساعات عمل، على أن يكون العمل مقسماً إلى ثلاثة دوامات هي على الشكل التالي:

دوام الصباح من السابعة وحتى الثالثة بعد الظهر، ودوام بعد الظهر من الثالثة وحتى منتصف الليل أي الثانية عشرة ليلا، ودوام منتصف الليل ويمتد من الثانية عشرة  ليلاً وحتى السابعة صباحاً. كان صابر يعمل في هذه الشركة لاضطراره للعمل في أي مكان وهو يعلم علم اليقين أنه لا يحصل على الأجر الكافي ولا يستفيد من الخدمات والتأمينات التي تتوفر في الشركات الأخرى. كان صاحب الشركة يعلم  بأن الوضع الاقتصادي متدهور وأن الناس بحاجة ماسة للعمل لذلك كان يجمع كل العمال كل أسبوع أو أسبوعين ويردد على مسامعهم معزوفته المملة بأنه سيطرد كل عامل لا يقوم بعمله كاملاً، هكذا وبكل وقاحة ودون أي اعتبارات إنسانية، وهذا ما كان يفعله كل أسبوع تقريباً. كان صابر يعمل كالمعتاد في ذلك اليوم وعلى الدوام المسائي. وفي أحد أيام شهر رمضان المبارك وبالمناسبة طلب صابر وبعض العمال العرب الذين يعملون في هذه الشركة من المسؤول عنهم بأن يسمح لهم بأن يأخذوا عشر دقائق فقط لتناول طعام الإفطار. ولكنه رفض ذلك، وكان عليهم أن ينتظروا حتى الساعة التاسعة والنصف من كل مساء لكي يتناولوا طعام الإفطار، علماً أن موعد الإفطار في السابعة مساء واستراحة العمل عادة تكن عند السادسة والقدقية الخامسة والأربعين.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة فجراً من شهر آذار عندما طلب صابر من السائق الفيتنامي الجديد بأن يجلب له صندوقاً من الحديد تمهيداً للعمل به، ولكن السائق لم يسمع ووضع الصناديق في شكل مبعثر فيما أصوات الآلات تخترق الآذان ومئات الأطنان من المكابس الضخمة تندفع على القطع الحديدية لتحويلها إلى أشكال  ونوعيات معينة.

بطبيعة الحال كانت أرض الشركة مليئة بالزيوت والشحوم من جراء تطايرها من الماكينات العملاقة التي بدت وكأنها تستحم بالزيوت، وتحدث في جو الشركة رذاذا من الماء المتدفق على رؤوس العاملين طيلة فترة عملهم.

وضع السائق الجديد الصناديق في شكل مبعثر وبعيد عن مكان الماكينة التي يعمل عليها صابر وكان على صابر أن يحمل القطع التي ينتهي منها ويضعها في صندوق آخر. كان عليه أن يحمل عشر قطع دفعة واحدة ليتمكن من وضعها داخل الصندوق بشكل منظم وبينما كان يمارس عمله كالمعتاد ويحمل بين يديه القطع العشر التي بدت كالسيوف المسننة زُلت قدم صابر بعد أن تزحلق بالزيوت الموجودة على الأرض. ومن حسن حظ صابر أن رأسه وظهره قد ارتطما بالأرض ولو أنه وقع على ناحية بطنه لكانت القطع الحديدية التي يحملها بين يديه كفيلة بتمزيق معدته مما يؤدي إلى موته في الحال.

ولكن الله لطف بحالة صابر وربما كان لدعاء أمه المتواصل له الفضل الكبير بلطف الله له. وقع صابر على الأرض وتناثرت القطع التي كان يحملها في أرجاء المكان فيما تراكض العمال لمعرفة ماذا حصل دون أن يبادر أحد إلى مساعدة صابر المدد وسط أرض الشركة لأن القانون هنا لا يسمح لأي شخص أن يلمس أي شخص مصاب بحادث حتى حضور سيارة الإسعاف.

وصلت سيارة الإسعاف وكان صوتها المسموع يخرق صمت الفجر وعمل ممرضان على نقل صابر إلى الحمالة بشكل متقن لأنه سقط على ظهره وحملت السيارة صابر وانطلقت بسرعة قصوى نحو المستشفى. وهنا فتح صابر عينيه فبادره الممرض فوراً لا تقلق كل شيء على أحسن ما يرام!

لقد غاب صابر عن الوعي لحظة ارتطام رأسه بالأرض وها هو يستيقظ داخل سيارة إسعاف والممرضون من حوله يطلبون منه بأن لا يتحرك، تمهيداً للوصول إلى المستشفى.

في المستشفى أدخل صابر على عجل إلى غرفة الحالات الطارئة وبعد الفحص الدقيق من قبل الأطباء تبين لهم أن تمزقاً في عضلات الظهر قد حصل من جراء التزحلق وهنا شكر صابر الله تعالى لعدم وجود أي كسور في الظهر وحمد الله تعالى على جميع نعمه التي لا تعد ولا تحصى مؤمناً بأنه “لا يصيبكم إلا ما كتب الله لكم”. إنه الإيمان العميق بالله تعالى وقدره المكتوب على الدوام. على أثر هذه الحادثة توقف صابر بطبيعة الحال عن العمل لمدة أسبوعين وأخضع للعلاج الفيزيائي.

ظل صابر يزور الطبيب (طبيب العائلة) ويتلقى العلاج الفيزيائي لمدة طويلة استمرت شهرين ولكن الشركة أجبرت صابر على العودة إلى العمل بطريقة احتيالية مدعية بأنها ستؤمن له عملاً سهلاً يتلاءم مع الإصابة التي حصلت له من جراء العمل. وأخبر صابر طبيبه بأن الشركة اتصلت به وأعلمته بأنه يجب أن يعود إلى العمل مجدداً. فقال الطبيب لا بأس إذا كنت تستطيع العودة. ولكن الشركة وصاحبها عملا بطريقة لا إنسانية على طرد صابر من العمل وذلك أول يوم عاد به صابر إلى العمل.

حتى يومنا هذا لا يعرف صابر ماذا فعل حتى حرم من عمله وهو الذي اتبع التعليمات سواء من طبيبه أو من الشركة ولكن إنها الحياة المادية التي نعيشها في عصرنا الحاضر حيث لا قيمة معنوية للإنسان بعد أن استبدلوا العمال بالرجل الآلي والذي يستطيع الحلول مكان عشرات العمال دفعة واحدة.

لقد مضى على ترك صابر لعمله حوالي السنتين، ولكن ما تزال تحز في نفسه الإدعاء بأن للإنسان كل حقوق في هذه البلاد. إنه الهراء بعينه! إنه زمن الكذب والدجل في لعبة الكبار والصغار! مشهد واحد وصوت واحد لا يبارحان مخيلة صابر على الدوام. إنه الصخب، الضجيج المتواصل ، إنه ضجيج الآلات ورذاذها من الزيت الممطر.

ما أصعب الموت في الغربة

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد  1997

10 شباط 1995

كان حسين يتألق نشاطاً وحركة ، وكل من عرفه عن قرب عرف فيه كل الصفات والمزايا الحميدة. حسين وصل إلى كندا وهو يحلم أو ظن بأنه سيحلم بحياة جديدة وبمستقبل ما ينتظره في أرض الصقيع والثلوج هذه.

شعر حسين ذات مرة بألم عادي في جسمه فبادر للذهاب إلى الطبيب وبدأت المعاناة، إجراء فحوص عامة، وإخضاعة لصور الأشعة، وأحياناً كان يضطر للدخول إلى المستشفى مع ما يرافق ذلك من اضطراره لأخذ الأدوية والأمصا ل إضافة إلى الأبر.

بدأت منذ مدة غير طويلة نسبياً معاناة حسين مع المرض الخبيث الذي بدأ يفتك بالجسم الفتي دون ان يستطيع الأطباء أن يفعلوا شيئاً في مثل أحوال هذا المرض، والذي لم تقدر وحتى هذه اللحظة جهود العلماء والأطباء في كافة أنحاء العالم من إيجاد حل وشفاء لهذه المعضلة في عالم الطب، ألا وهو مرض السرطان.

قضى حسين الأسابيع الأخيرة في المستشفى وسط ترجيحات وتنبوءات الأطباء بأنه سيعيش، مرة يقولون عدة أيام ومرة يقولون أسابيع معدودة والشيء الوحيد الذي لم أقدر أن أفهمه في مجال الطب في هذه البلاد هو المصارحة الكاملة من الطبيب لأي مريض بأن يقول الطبيب للمريض ما هو مرضه بالضبط حتى أنه في جميع الأحوال يصارح الطبيب مريضه بأن يقول له بأنك ستعيش لعدة أسابيع أو أيام معدودة على سبيل المثال!

في بلادنا العربية يعمد الطبيب إلى إبلاغ أحد الأقارب أو أصدقاء المريض بحالته بالضبط دون ان  يبلغه شخصياً، ولا أدري أي الحالتين أفضل بالنسبة لنفسية أي مريض أن يبلغه طبيبه مباشرة عن وضعه الحالي أو أن يتبلغ النتيجة بواسطة أحد أقاربه أو معارفه؟ لا أدري بالضبط الإجابة عن هذا السؤال!

ظل حسين في المستشفى وظل أهله وأصدقاؤه متمسكين بحبل الله تعالى طالبين رحمة الباري عز وجل.

ومع الأيام الأولى من عام 1995 جاءنا النبأ الأليم. انتقل الشاب اليافع حسين إلى رحمة الله تعالى. كان النبأ مؤلماً في أوساط أبناء الجالية الذين عرفوا الفقيد شاباً مؤمناً مخلصاً لتعاليم الله تعالى، محباً صادقاً مع الجميع. توفي حسين عن ثلاثة وعشرون عاماً تاركاً الحرقة والألم في نفوس أهله وذويه وأصدقائه وخلف وراءه في هذه الدنيا زوجة وطفلتين الأولى عمرها سنتان ونصف والثانية سنة واحدة.

شعر الجميع هنا بالحزن والألم العميقين لهذا المصاب، ولكن ماذا عسانا فاعلين في قضاء الله وقدره، مشيئة الله حكمت بذلك ولا مخالفة لتلك المشيئة الحكيمة.

حري بنا نحن أبناء الجالية العربية ومن أي بلد عربي أتينا، أن نجتمع ونوحد صفوفنا في غربتنا القاسية هذه وأنا دائماً أحب أن نتذكر دائماً وفي كل لحظة مسألة مهمة جداً في حياتنا الأ وهي مسألة الموت.

فهل يوجد أصعب من أن يموت الإنسان غريباً عن وطنه وأهله وتراب الوطن الذي عاش فيه وتربى  ونما. لنتوقف جميعنا عند حالة الموت ولنكن جميعاً متوحدين متفقين وأن نكون جميعاً كالجسم الواحد والبنيان المرصوص حتى إذا ما تداعى أحد الأعضاء تداعى بقية الأعضاء لمساعدته ومد يد العون له ليعود سالماً معافى.

حسين صوفان من بلدة حانين العاملية في جنوب لبنان فقيد آخر خسرته الجالية اللبنانية والعربية في وندسور على مدى السنوات الأخيرة الماضية.

النظافة السياسية

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1996

3 شباط 1995

عاشت كندا خلال الأسبوع الأول من شهر كانون الأول الحالي حدثاً احتل الصفحات الأولى من الجرائد الكندية ومساحات واسعة في الإعلام الكندي، وتمثل هذا الأمر بالإعلان عن إدخال زعيم المعارضة الكندية لوسيان بوشارد إلى المستشفى وهو من حزب البلوك كويبكواز، حزب مقاطعة كيبك ذات الاتجاه الفرنسي، والتي تحاول جهدها منذ فترة طويلة الانفصا ل عن الاتحاد الفدرالي الكندي. دخول بوشارد إلى أحد المستشفيات في مدينة مونتريال جاء بعد إصابته بنوع من البكتريا مما أدى إلى بتر ساقه اليسرى بعد محاولات حثيثه من فريق الأطباء الذين  يقومون  بعلاجه بالحد من تفشي هذا المرض المفاجئ في باقي انحاء جسده ، وكان خيار الأطباء إما أن يبادروا إلى بتر الساق اليسرى من الجسم أو السماح لهذه البكتريا بالقضاء على الجسم نهائياً مما يؤدي بطبيعة الحال إلى وفاة الشخص.

Lucien Bouchard

المهم مما تقدم ما لاحظته من مزايا وأخلاق سياسية من المقام العالي والمميز من جميع السياسيين الكنديين على اختلاف عقائدهم وتفكيرهم إذ اتفقوا على شيء واحد ومحدد هو ترك خلافاتهم السياسية جانباً والوقوف إلى جانب هذا السياسي وعائلته لكي تمر هذه المحنة التي يمر بها هذا الزعيم على صعيد مقاطعة كيبك وكندا بشكل عام.

ما أجمل وأروع أن يشعر أي شخص أصيب بنكسة ما على جميع الصعد، أن يجد بجانبه أناساً طيبين يحاولون جاهدين قدر الإمكان تخفيف وقع أي معاناة أو أي حالة طارئة من الممكن أن يتعرض لها أي شخص في حياتنا هذه. المراقب للأمور يلاحظ بأنه كان هناك الكثير من الاهتمام بهذا الحدث إن على صعيد الساسة الكنديين وعلى رأسهم الوزير الأول الكندي جان كريتيان إلى أي مواطن عادي ، وتكمن الملاحظة أن هذا الاهتمام جاء بمسؤول سياسي عن مقاطعة كندية تبذل قصارى جهودها للإنفصال عن كندا ومحاولة إنشاء دولة خاصة تتمتع بالاستقلال الذاتي هي دولة كيبك ربما مستقبلاً.

وأصبح من المعروف طبيعة المعركة التي تدور رحاها بين كندا كاتحاد فدرالي ودولة مركزية من مقاطعة كيبك التي يبلغ تعداد سكانها حوالي ستة ملايين ونصف المليون نسمة، واللغة الرئيسية في كيبك هي الفرنسية مع العلم أن اللغة الإنكليزية تحتل المرتبة الأولى في كندا التي يبلغ تعداد سكانها حوالي 27 مليون نسمة بمساحات شاسعة من مساحة أرضها تقدر بحوالي 10 ملايين كيلومتر مربع.

ومنذ اللحظة الأولى التي زار فيها الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول مقاطعة كيبك سنة 1969 ماتزال كلمته المشهورة عالقة في أذهان سكان كيبك وهي مخاطبة لهم (عاشت كيبك حرة) وتطالب كيبك بالاستقلال الكامل عن كندا بسبب ما تراه من استقلالية سياسية وثقافية بالنسبة لمسألة اللغة ومسائل أخرى.

ولا أدري إاذ ما تم هذا الأمر، عنيت مسألة الانفصال، أن نشهد اتحاداً سوفياتيا آخر في قلب أميركا الشمالية ، تتحول على إثره كندا إلى دويلات مستقلة التي كانت أصلاً تتألف من 10 مقاطعات هي بريتش كولومبيا – ألبرتا – ساسكاتشوان – مانيتوبا – أونتاريو – كيبك – نوفاسكوشا – نيو برونزويك – برينس إدوارد أيلاند – نيوفنلاند – إضافة إلى إقليمين هما إقليم يوكون وإقليم نورث وست.

عالم السياسة بشكل عام عالم مليئ بالغموض والمفاجآت على جميع الأصعدة، ولا بد من متابعة التطورات للوقوف على مجريات الأمور.

بين مستقبل كندا كاتحاد فيدرالي مركزي وبين المستقبل بشكل عام، ربما يكون هناك عامل مهم هو الوقت، ومن يعش يرى  !

حلم أبي نجيب

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 1995

27 يناير 1995

استيقظ أبو نجيب كعادته عند الثالثة من فجر ذلك اليوم وذهب كعادته اليومية وعلى مدار الثلاثين سنة الماضية إلى سوق الخضار حيث تباع الخضار بالجملة وكان عليه أن يملأ عربته بانواع عديدة من الفواكه والخضار لينطلق بها في شوارع العاصمة منادياً بأعلى صوته عن الخضار التي يحملها على عربته وبطبيعة الحال كان نهار أبي نجيب يبدأ يومياً من الثالثة فجراً ويمتد حتى آخر النهار عندما تغطس الشمس في كبد البحر معلنة انتهاء نهار عامر بالكد والتعب والجهاد.

أراد أبو نجيب أن يستمر في عمله ببيع الخضار ولكن ليس بجر عربته الثقيلة كالمعتاد، ولكن فكر بإقامة بسطة ثابتة له على زواية إحدى الطرق الرئيسية في العاصمة، بعد أن أنهكته السنون الطويلة من دفع العجلات الثلاث لعربته التي بدت هي الأخرى منهكة مما تحمله كل يوم.

ظل أبو نجيب يتردد إلى مبنى البلدية في العاصمة على مدى أيام وأسابيع متواصلة لعل وعسى أن يستحصل على إذن من البلدية بإقامة خيمة تحتوي على بسطة للخضار في إحدى الساحات الخالية من زوايا ذلك الشارع العريض من العاصمة. أخيراً وبعد جهود كبيرة استطاع أبو نجيب أن يحصل على الإذن بعد أن دفع المبلغ المطلوب إلى إدارة البلدية إضافة إلى مبلغ آخر تقتضيه ظروف الموظف المسؤول لكي يتكرم بإمضائه الكريم في تلك الحالة.

كان أبو نجيب متهلل الوجه ، فرحاً بما أنجزه وقال بينه وبين نفسه بأنه ربما قد ابتسم له الحظ ولو مؤخراً، أو هكذا ظن.

عمل أبو نجيب أياماً متعددة على بناء هذه البسطة وجمع ما تيسر له من أخشاب وقام بوضع عدة ألواح من الحديد أكل الدهر عليها وشرب طويلاً مع لون صديدي أضفى عليها لوناً بنياً قاحلاً.

على مدى أيام متتالية عمل أبو نجيب بشكل غير اعتيادي كعادته، ومنذ اللحظة الأولى التي فتح عينيه على هذه الحياة، المهم انتهت ورشة البسطة وشعر أبو نجيب بفرحة عامرة ربما لم يشعر بمثلها من قبل لأنه ظن بأنه سيرتاح قليلاً من عناء المشي اليومي وربما سيشعر بالراحة من الخضار والفاكهة.

ذهب أبو نجيب إلى سوق الخضار العمومي والذي يبيع بأسعار الجملة واشترى ما يلزمه من الخضار تمهيداً لوضعها على البسطة وعمل بطريقة جميلة حصل عليها من خلال خبرته الطويلة في هذا المجال، بوضع الخضار في شكل جيد ملفت للنظر وبدأ يومه الأول جالساً على كرسيه وأمامه الطاولة وأكياس من النايلون بأشكال مختلفة، أضافة إلى مذياع صغير كان يلازم أبو نجيب على الدوام. شعر أبو نجيب بفرحة عامرة بإنجازه هذا وسارت الأمور معه على أحسن ما يرام ومضى على وجوده في ذلك المكان حوالي الشهر، ولكن صدق قول الشاعر حين قال:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

وفي صباح تشريني وكان هواء البحر المقابل لبسطة أبي نجيب يداعب سطح هذه البسطة ويحدث صوتاً نتيجة لارتطام الحديد بألواح الخشب، نظر أبو نجيب إلى ناحية البحر وسرح نظره بلون المياه وكأن أبو نجيب يتحدث من خلال عينيه مع هذا البحر الشاسع المترامي الأطراف وما يخبئ بداخله من مخلوقات وأسرار. قطع صمت أبو نجيب صوت سيارة توقفت أمامه وترجل منها شخصان يحملان ملفات وأوراقاً وخرائط كثيرة وسألا أبو نجيب:

من هو صاحب هذه البسطة؟

فقام أبو نجيب من مكانه وقال أهلاً وسهلاً يا شباب. أنا صاحب هذه البسطة واستفسر منهما: خير إن شاء الله.

فرد أحد الشابين: نحن مهندسان وسنجري دراسة على قطعة الأرض هذه تمهيداً لتحويلها إلى فندق ضخم.

استفسر أبو نجيب منهم عن طبيعة هذا المشروع وماذا سيفعل فهذا باب رزقه الوحيد ولم يعد يستطيع العودة إلى جر عربة الخضار.

فرد عليه أحد الشابين بلهجة تخلو من الإنسانية والمنطق: عليك أن تزيل هذه البسطة وبأسرع وقت ممكن لأن الجرافات ستبدأ عملها بعد يومين على أبعد تقدير.

غادر الشابان المكان وجلس أبو نجيب إلى كرسيه متعباً، متجهم الوجه. أحس في تلك اللحظة أن هموم ومآسي الدنيا بأسرها قد حلت فوق رأسه.

أقفل أبو نجيب بسطته وذهب إلى منزله في تلك الليلة الباردة وذهب إلى فراشه باكراً ولكن من أين يأتيه النوم وهو واقع في مشكلة كبيرة. فمن أين سيأتي بالمال الكافي لسد حاجات عائلته الكبيرة العدد؟

وضع أبو نجيب رأسه على المخدة ولكنه شعر بأن دموعه قد حولت مخدته إلى بركة من الماء، نعم لقد بكي أبو نجيب كما لم يبكي من قبل طيلة حياته، يا الله ما أصعب أن يبكي المرء وهو يشعر بالقهر وهو حائر لا يدري ماذا يفعل!

استمر أبو نجيب بالتفكير عما سيفعله فموعد هدم البسطة قريب جداً، فذهب في اليوم المحدد لبدء أعمال الهدف وحاول أن يشرح وضعه لصاحب قطعة الأرض التي سيشاد عليها ذلك الفندق، ولكن لم تفلح محاولاته وتوسلاته مع صاحب الأرض في ثنيه أو تراجعه عن محاولته تلك، ووقف أبو نجيب وشاهد بعينيه المغرورقتين بالدموع كيف انهارت بسطة الخضار عند أول ارتطام للجرافة الضخمة بها.

مضى أبو نجيب إلى منزله وهو حائر، مضطرب، متسائلاً في قرارة نفسه ماذا سيفعل فأولاده الخمسة يحتاجون للمأكل والملبس والمدارس والأجور الإضافية الكثيرة الأخرى وكذلك إبنته الوحية التي تتابع دراستها الجامعية، إذاً الموقف جداً محرج بالنسبة لأبي نجيب، فهو المعيل الوحيد لهذه العائلة الكبيرة، إحتار وفكر كثيراً ولكنه لم يجد الحل الشافي لمشكلته الحالية هذه.

احتار أبو نجيب ماذا سيفعل، فحتى عربة الخضار التي كانت بحوزته اضطر إلى بيعها لكي يستطيع بناء بسطة الخضار التي تساوت مع الأرض، بدأت الجرافات بالعمل لحفر أساسات البناء المنوي إشادته وظل أبو نجيب يأتي ولعدة أيام إلى المكان الذي كان يؤمن له الرزق له ولعائلته. لم يكن يفعل الشيء الكثير سوى التأمل بمشهد الجرافات وهي تعمل وكأنه يلعن تلك الآليات لأنها أطاحت بمصدر عيشه. تكررت محاولات اتصال أبو نجيب بصاحب قطعة الأرض تلك لعله يحصل منه على تعويض ولو بسيط مقابل البسطة التي إنهارت ولكن محاولاته لم تنجح فصاحب الأرض كان جشعاً إنتهازياً لم تدخل الرحمة والشفقة إلى قلبه قط.

سار أبو نجيب في الشوارع هائماً على نفسه، وبدأ الشحوب على وجهه وحدث الشيء الذي لم يكن في الحسبان فبينما كان أبو نجيب يحاول المرور عبر شارع مزدحم وأراد أن يقطع الشارع من الجهة التي يسير عليها إلى الجهة المقابلة فإذا بسيارة تسير بسرعة جنونية تصدم أبو نجيب فيهوي على الأرض محدثاً صوتاً مرعباً … تراكض المارة من كل حدب وصوب ناحية أبو نجيب ولكن ما لبث أن فارق الحياة. وصرخ أحد المارة مستفسراً عن السيارة التي دهسته ولكنه علم بأنها سيارة من النوع الفخم جداً. الفارهة الطول والتي لا يستطيع إلا كبار الأثرياء إقتناءها.

تجمع الناس حول جثة أبو نجيب إلى أن حضرت سيارة الإسعاف لتنقل أبو نجيب إلى أحد المستشفيات وطبعاً ليسجل الحادث ضد مجهول.

مات أبو نجيب ضحية أشخاص جشعين للمرة الأولى عندما أخذوا منه مصدر رزقه دون الاكتراث لحالته، والمرة الثانية عندما أخذوا منه حياته بطريقة مأساوية مخزية.

رحم الله أبو نجيب وكان بعون عائلته التي كانت هي الأخرى  ضحية من ضحايا المجتمع الراقي، وبئس ذلك المجتمع.

لماذا التعرض للقيم الدينية ؟

بقلم علي إبراهيم طالب

يبدو أن مسألة التهجم على العرب والمسلمين عبر وسائل الإعلام في هذه البلاد هي حلقات من سلسلة طويلة بالإضافة إلى التشويه المتعمد وبشكل يومي لصورة الإنسان العربي والمسلم عبر الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى من راديو وتلفزيون. فمن كتاب المرتد سلمان رشدي (آيات شيطانية) إلى الأفلام السينمائية المتعددة التي تحارب العرب وتشوه صورتهم وكان آخرها فيلم “كذب حقيقي” لأرنولد شوارزينغر” وصولاً إلى الإعلانات. ومن آخر هذه المهازل والإهانة بحق المسلمين والعرب ما أقدمت عليه مؤخراً شركة  RPG وهي شركة متخصصة بطباعة البطاقات للمناسبات والأعياد ومضمون إحدى البطاقات هي الاستهزاء بالحجاب الإسلامي وتتضمن إهانة إلى الدين الإسلامي بشكل عام وإلى الطائفة الشيعية المسلمة بشكل خاص.

هذه الشركة والتي مقرها في مدينة شيكاغو الأميركية، وعلى أثر هذا التعدي الفاضح والصارخ على الدين الإسلامي تحركت العديد من المؤسسات والجمعيات على اختلاف أنواعها لإدانة هذا العمل الجبان من قبل هذه الشركة المذكورة ودعا مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية كافة المذاهب والطوائف إلى مقاطعة منتوجات هه الشركة وحصلت تظاهرتي احتجاج يوم 16 أيلول الماضي عقب صلاة الجمعة وتظاهرة أخرى يوم 24 أيلول الماضي. وانهالت الاتصالات على مقر هذه الشركة تتطالب الإدارة بسحب هذه البطاقات من الأسواق فوراً وتقديم اعتذار علني. ولكن الشركة المذكورة قالت إنها لن تسحب البطاقات من الأسواق وبالتالي فهي لن تقدم اعتذاراً علنياً للجالية الإسلامية.

ودعا المجلس الإسلامي الأميركي ومؤسسات عربية أخرى إلى التحرك المتواصل نتيجة لهذا الموقف المتعنت والحاقد من قبل هذه الشركة، وأدانت شركة أميركية منافسة للشركة التي طرحت البطاقات وقالت إن هذا العمل غير لائق ولا يمكن لأي شخص أن يتقبله، ربما إدانة هذه الشركة للشركة المنافسة هي على خلفية تضارب الأعمال!!

ولم يقتصر أمر الاحتجاج والاستنكار على الجمعيات الإسلامية وحدها بل شاركت جمعيات وكنائس مسيحية ومنها الكنيسة البروتستانتية والتي تبلغ رعيتها أكثر من 5 ملايين شخص وهددت هذه الكنيسة الشركة المذكورة بأنها إذا لم تعتذر من الجالية المسلمة فستبادر الكنيسة إلى الطلب من أبناء رعيتها مقاطعة منتوجات هذه الشركة.

وفي مدينة لونرس – كانساس قام أميركي مسلم بالإضراب عن الطعام احتجاجاً على هذه الإساءة وأقيمت تظاهرة احتجاج في حرم جامعة كانساس أيضاً.

وحتى كتابة هذه السطور لا تزال آذان الشركة المذكورة صماء على الرغم من الاحتجاجات والاتصالات الهاتفية وإرسال الرسائل، وماتزال مستمرة في غيها وتعنتها!

لا أدري ولا أجد التفسير الكافي لماذا هذا التعرض للقيم والمبادئ التي جاءت بها الأديان سواء أكان الدين الإسلامي أو الدين المسيحي، وما أكثر المرات التي تشاهد فيها بأم العين الإساءة إلى الدين المسيحي عامة في هذه البلاد تحديداً، وكنت قد قرأت منذ فترة عن فيلم (عيسى ابن مريم) عليه السلام يتناول هذا الفيلم حياة المسيح بكثير من الإهانة والتعرض لمقامه الحميد، وعرض في إحدى المدن الأميركية وقام شاب من أصل عربي وقد هاله هذا الاستهزاء بمقام احد رسل الله إلى الإنسانية فما كان منه إلا أن أندفع بكل قواه إلى واجهة السينما الزجاجية مما أدى إلى تهشم وجهه وجسمه بالكامل من جراء تحطم الزجاج، وذلك استنكاراً منه لهدا العمل بالتعرض لهذا المقام وظهرت صورة هذا الشاب على شاشات التلفزيون وقال لهم صحيح بأنني مسلم ولكن شدة تأثري وانفعالي من هذا الفيلم دعتني للإحتجاج على هذه الطريقة. صحيح أنا مسلم ولكن عندنا مكانة خاصة ومميزة للمسيح عليه السلام.

في هذا المجتمع الغربي الذي نعيش فيه وبغياب أي ترابط أسري وبوجود هذا التفكك العائلي تجد هناك غياباً حقيقياً لوجود العائلة كعائلة منصهرة ومتماسكة مع بعضها البعض، مما يؤدي إلى حصول أعمال لا دخل للأديان السماوية بها على الإطلاق.

وخير دليل على ذلك ما حصل مؤخراً في كندا وسويسرا بعد أن ادعى لوك جوريه وهو شخص كندي بأنه المسيح المنتظر. وأقنع بعض أتباعه ومريديه بذلك وكانت نهايتهم بالشكل الذي شاهدناه على شاشات التلفزة وأدى إلى سقوط حوالي 48 قتيلاً بين سويسراً وكندا. وإذا عدنا إلى الماضي قليلاً وتذكرنا ما حصل عام 1978 في غوايانا وحصدت على ما أذكر أكثر من 900 قتيل وفي الفلبين عام 1985 وراح ضحية هذه المجزرة حوالي 60 قتيلاً، وفي كوريا الجنوبية سنة 1987 وصولاً إلى ما حصل في معبد الداوديين في واكوا بولاية تكساس الأميركية حين ادعى ديفيد كوريش زعيم هذه الجماعة بأنه المسيح، مما جر عليه وعلى أتباعه الثمانين الموت ومنهم أطفال ونساء ورجال جنوا على أنفسهم بتصديق أشياء هي خارج المنطق والعقل.

المطلوب العودة إلى الضمير والاستنارة بالعقل لأنه من غير المعقول أن تقود الأفكار الهدامة البشرية بأجمعها حتى لا يأتي يوم ونترحم فيه على قضية الإنسانية والرحمة في عالمنا المتفجر هذا ، وأن لا نصل إلى الطريق المسدود رحمة بالأجيال القادمة ، ومن يعيش يستطيع أن يلحظ المستقبل، فمن يعلم؟

أضاليل وحقائق

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 1982

الجمعة 28 تشرين ثاني 1994

مسألة تعاطي وسائل الإعلام الغربية مع القضايا العربية عامة أصبحت معروفة للجميع، ويعرف القاصي والداني ما هي صورة العربي في وسائل الإعلام الغربية سواء المكتوبة أو المسموعة أو المشاهدة.

المهم أنه من المعروف أن الإعلام الغربي عامة يخضع للتأثير اللوبيات الانتخابية والمالية المؤثرة في هذه البلاد والقادرة على فرض إرادتها على تلك الوسائل الإعلامية.

ما يدفعني لهذا الحديث هو ما ألاحظه على الدوام عبر كافة وسائل الإعلام من تشويه لسمعة العرب والحديث عنهم دوماً كإرهابيين وقتله يلهثون دائماً وراء القتل والدمار وأحياناً من غير مبرر، مما يدل على وجود نوايا خبيثة من القائمين على هذه الوسائل بالاستمرار في الإساءة إلى العرب شعباً وقضية.

أنا أدعوا  دائماً إلى الرد على هذه الأضاليل والافتراءات التي تطال العرب هنا ، سواء بالرد أو الاحتجاج على الاستمرار في هذه الأباطيل، وهنا يكمن ضعفنا كعرب من ناحية إنشاء المؤسسات الإعلامية القوية القادرة على الرد المناسب بوجه كل هذه الأكاذيب.

لاشك أن للسينما دوراً فعالاً في مجال الثقافة العامة وقد يحصل أن يكون لأي فيلم رد فعل أكثر من أي حرب تقوم بين الدول.

مناسبة هذا الحديث هو الفيلم السينمائي للمخرج اللبناني جان شمعون المقيم في فرنسا واسم هذا الفيلم (رهينة الانتظار) ويحكي بصورة واقعية وحقيقية عما تعرض له الجنوب اللبناني في شهر تموز 1993 أثناء حرب الأيام السبعة التي شنها العدو الصهيوني الغادر على الجنوب الحر الاشم. حمل جان شمعون الكاميرا في هذا الفيلم ونقل بكل أمانة من أرض الجنوب الواقع كما هو دون زيادة أو نقصان.

أراد إبراز رسالة في هذا الفيلم من خلال مرافقته للأهالي العائدين إلى قراهم وبلداتهم وقد هالهم ما رأوه من حقد وهمجية آلة العدو الوحشية في القضاء على البشر والحجر.

شعب الجنوب المقاوم يواجه بصدره العاري آخر ما توصلت له تكنولوجيا الحرب الأميركية المهداة إلى إسرائيل، هذا الكيان الغاصب الذي ما فتئ يقصف ويهدد ويتوعد.

لكن الآية الآن انقلبت كما ينقلب السحر على الساحر وذلك بفعل المقاومة الحرة الشريفة ورجالها الأشاوس، أسود الليالي وحماة الديار لا يهابون الأخطار وفي قلوبها دروس حب الأوطان.

من أجل هذا كله تحطمت وزالت إلى الأبد مقولة الجيش الجرار الذي لا يقهر، لقد قهر هذا الجيش على أرض الجنوب العاملي هذا الجنوب الذي يحلو لسيادة الرئيس حافظ الأسد أن يطلق عليه لقب : جنوب العرب.

هذا الجنوب المثقل يحمل المعاناة  والكبرياء. نعم جنوب العرب اليوم يدفع الضريبة دماً وشهادة عن الجميع في زمان الحياد والهروب و الارتماء في أحضان هذا العدو الغادر، والذي يذهب الجميع لأخذ رضاه وتنفيذ كل أوامره بدقة.

وسط التعامي الإعلامي الغربي مع قضايانا المحقة يأتي فيلم (رهينة الانتظار) ليصلح أغلاط الإعلام الغربي المتحيز ويظهر للعالم بأسره بأن شعب الجنوب المقاوم يواجه الموت يومياً ويتحدى هذا الموت بإرادة قوية وعزيمة اكيدة في حق شعبنا في العيش بحرية وكرامة على أرض هذا الجنوب الصامد وهو من أبسط حقوق الإنسان في زمن سادت فيه شريعة الغاب وحل الظلم والعدوان على أنحاء واسعة من الكرة الأرضية.

حق شعبنا سيعود رغم أنف العدو ومن ورائه ولا يزول حق وراءه أناس تطالب به، وإن غداً لناظره قريب.

رجولة زائفة

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1985

الجمعة 18 تشرين ثاني 1994

دخل رجل ذات يوم إلى إحدى القرى اللبنانية النائية والجالسة على كتف أحد جبال لبنان الشامخة ووقف في ساحة البلدة وصرخ بأعلى صوته.

دعوني أرى من هو الرجل ابن الرجال والذي يقدر على قتالي أين هو فليخرج إليّ.

تجمع أهالي هذه القرية جميعهم وقلوبهم وجلة خائفة، وهنا ازداد صياحة عندما رأى كل أهالي القرية مجتمعين وصاح مجدداً أين هو هذا الشخص الذي لم تلده أمه ليقاتلني. ازداد خوف أهالي القرية دون أن يجرؤ أحد منهم على تلبية طلب ذلك الغريب الداعي إلى القتال، وفجأة أخذت الحمية برأس أحد رجال القرية وبرز من بين الحضور قائلاً أنا سأنازلك. إنزل إلى الساحة. وهنا ربما شعر هذا الغريب بالاحراج وقال لهذا الشاب تعال وقف إلى جانبي، ثم صاح بأعلى صوته من هو الرجل ابن الشجعان الذي يقدر على قتالنا نحن الاثنين!

إنها الرجولة الزائفة والادعاء بالشجاعة والفروسية. ربما نواجه هذه الحكاية في كل يوم من أيامنا الحاضرة فكم من الناس المدعين تراهم يتدخلون في كل شاردة وواردة في هذه الحياة.

جميل أن يعرف الانسان نفسه أن يعطي لذاته ما يشعر هو نفسه أنه بحاجة له، فالإنسان المدعي يكون مثار سخرية المجتمع على الدوام.

جميل من المرء أن يتحلى بالصفات والمزايا الحميدة في تعامله مع الآخرين. وأن يكون حريصاً جداً في مسألة مهمة بالتعامل مع المجتمع وخصوصاً مسألة المشاعر والأحاسيس للآخرين. وصدق ميخائيل نعيمة عندما أوجز رأيه في هذا المجال حين قال “من كان لا يبصر غير محاسنه ومساويء غيره فالضرير خير منه”. دعونا نتحلى بالأمور الوسط عملاً بالقول (خير الأمور الوسط)

العودة إلى الضمير

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

عدد 1984

الجمعة 11 تشرين ثاني 1994

(طلب مرافق أحد النواب من الجهات المختصة في مطار بيروت الدولي فتح صالون الشرق لزوجة النائب العائدة من السفر وتبين لاحقاً أن العائد هو خادمة فلبينية تعمل عند هذا النائب)

هذا هو الخبر كما قرأته حرفياً.

هل لبنان الوطن المستقبلي الذي نريده هو وطن موجود فيه عائلات تشتري ماء الجبنة لتبل فيها الخبز قبل أكله!

يشهد الله علىّ ماذا حل بي حين قرأت هذا الخبر، إنه وضع غير معقول.

ما هو سر هذا الوطن لبنان؟

فمن يرى صفحات المجتمع والمناسبات في الصحف والمجلات يظن نفسه في عالم آخر فالشراء الفاحش باد للعيان. هل من المعقول والمقبول أن يظل هناك تناقض واضح وفاضح في المجتمع اللبناني؟

كان الوضع قبل الأحداث يتميز بوجود طبقة وسطى أتت الحرب والمرحلة الحالية حديثاً لنلاحظ بأنه أصبح في لبنان طبقتان متناقضتان تماماً.

–         طبقة فقيرة معدمة تكاد لا تحصل على أبسط مقومات الحياة البشرية من أكل ولباس وما إلى ذلك.

–         وطبقة غنية مثلما يقولون في لبنان (فوق الريح) هل من العدل أن يبقى هذا الأمر على حاله.

هل أصبحت الحياة مقتصرة فقط على بعض الناس دون غيرهم. لا تشاهده إلا عبر وسائل الإعلام ومن النادر جداً أن ترى أي مسؤول بين شعبه يتجول متفقداً أحوالهم وسائلاً عن مطالبهم.

ما هو الداعي لأن يفتح صالون الشرف في مطار بيروت الدولي حتى ولو كانت القادمة زوجة نائب أو وزير أو كان القادم صديق أحد المسؤولين في الدولة؟ أظن أن هذه الأمور قد تجاوزها الزمن ويجب أن تغيب عن الحياة السياسية في لبنان تحديداً. ألم تكف 15 سنة من الحرب لنتعلم ونتعظ مما حصل لنا نحن اللبنانيين بحق بعضنا البعض!

لنتخلص من عقدة الزعامة التقليدية والبكوات واللهاث وراء أمور أكل عليها الدهر وشرب. لنخلع عنا هذا الانقياد الأعمى وراء الأشخاص ولنمشي خلف التعاليم والقيم والأخلاق. كفانا ما حل بنا ولينظر الشخص إلى حاله أين كنا وإلى أين وصلنا؟

لبنان هدا  الوطن الذي كنا نفاخر فيه على الدوام هو بحاجة للتكاتف والتعاضد في سبيل مصلحة هذا الوطن العليا وليس في دعوة للعودة إلى الضمير في كل عمل من أعمالنا وفي أي اتجاه في طريق حياتنا. فليحاسب كل فرد نفسه ويكون القدوة الصالحة في مجتمعه.

يقف الفرد منا الوقت الطويل يومياً ليصفف تسريحة شعره أو للإعتناء بمظهره الخارجي، لنقف أمام مرآة الضمير والحق ولو لمرة واحدة، ونشاهد أنفسنا عسى ولعل أن نحاسب أنفسنا ونرى سبب العلة في داخلنا. فربما نحصل على الدواء وتعود كل الأمور إلى نصابها الطبيعي. الحمد لله لقد سكتت لغة المدافع والقتل، وهذا شيء جداً مهم، ولكن تبقى الدعوة إلى المحافظة على الإنسان في وطني والذي أرهقته الأيام والظروف المحيطة به.

فما يتوافر من أخبار بشأن وطننا الحبيب لبنان يشير إلى غول الغلاء الفاحش الذي يلتهم كل ما يواجهه دون أي رادع أو حسيب. يا رب العزة والجلال أرجع إلى أطفال بلادي الابتسام والفرح.

لكي لا نسمع بأن طفلاً ما نام جائعاً لعدم وجود الطعام أو الحليب.

صرخة من الأعماق، ودعوة للعودة إلى الضمير. هل من مجيب.؟

مناجاة

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1981

الجمعة 21 تشرين أول 1994

أين الروح الإنسانية وحنان القلوب والأفئدة؟

أين حب الناس ووفاؤها بعضها لبعضها الآخر؟

أين الشهامة والفروسية والكرم؟

أين العمل الصالح، أين زاد الخير؟

أين الأشخاص الين يحفرون في القلوب العرفان والطيبة؟

أين الأحاسيس والمشاعر والمودة؟

في عصرنا القاسي هذا، اين تلك الأمور مجتمعة.

في هذا الزمن المادي والتهافت على أصنام الأشياء.

هل أصبح التعامل بهذه الصفات الجميدة جنحة شائنة يستحق من يتعامل بها السجن والنبذ من المجتمع!

أين نحن في زمن الانحلال والتدهور هذا؟

أين نجد المعدن الطيب والأصيل في زماننا هذا؟

أسئلة من أعماق القلب، من قلب ألمه ما وصلنا له من حالة يرثى لها.

دعوة حب وصدق.

لحظة تأمل وتفكير.

أيها الناس عودوا إلى الأصالة.

إلى الحب المتدفق سعادة وهناء.

بالله عليكم عودوا ، عسى ولعل ؟!

تصرف غير لائق لبعض العرب في وندسور

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1978

الجمعة 30 أيلول 1994

من ضمن المشاكل العديدة والمتشابكة التي نعيشها كعرب في هذا المقلب الآخر من الكرة الأرضية، المسألة بكل بساطة أنه يوجد في المدينة التي أعيش فيها (وندسور) مكتبة عامة ومن ضمن هذه المكتبة يوجد قسم للكتب والجرائد والمجلات العربية، ولكن الشيء المؤلم والذي يحز في النفس ألماً ومشاعر حزينة هو أن بعض الأشخاص العرب سامحهم الله يعمدون في حالات عديدة إلى تمزيق بعض الصفحات من الكتب والمجلات العربية في عمل بعيد جداً عن ثقافتنا وحضارتنا، وإني أسأل دائماً الذي يعجبه أي موضوع ما أو مقال ما في أي مجلة أو كتاب لماذا لا يعمد إلى تصوير ما يريد عبر ماكنة (الفوتوكوبي) بتكلفة رمزية تكاد لا تذكر.

فشخص ما أعجبته صورة لمطربة أو ممثلة يعمد إلى قطع هذه الصفحة والاحتفاظ بها، أو قرأ قصة أو مقالاً ما يأتي إلى هذه الصفحة ويمزقها ويحتفظ بها حتى أنه تلاحظ أن حالة الكتب العربية والمجلات في هذه المكتبة هي حالة يرثى لها وكم من كتاب مهم وقيم تجد بأن صفحاته ناقصة، أو تقرأ بشغف موضوعاً ما في أي مجلة لتفاجأ بأن الصفحة التالية قد اقتطعت واحتفظ بها شخص سامحه الله وحرم متعة القراءة عن غيره.

إنه اسلوب أناني وبعيد عن عاداننا وتقاليدنا العريقة وإني أعتذر عن استعمال هذا الأسلوب ولكن هذا الأمر يضايقني جداً ويحز في نفسي.

إضافة إلى ها الأمر قد تفتح كتاباً ما أو مجلة عربية فتجد ألفاظ وكلمات نابية مكتوبة على هذه الصفحات فأرسل هذه المناشدة عبر مجلة “الحوادث” الغراء إلى كل قارئ للعربية في مدينة وندسور أن لا تعاد وتتكرر هذه الأمور لأن هذه الكتب وضعت أساساً للقراء العرب لكي يقرأوها ويستفيدوا منها. لا لكي نمزقها ونتلف محتوياتها. أرجو أن يقرأ هذه المناشدة من يقوم بهذه الأعمال ويكف عن القيام بذلك. لأن صورتنا كعرب هنا مشوهة جداً ونحتاج إلى إصلاح هذا الأمر، لا أن نساهم نحن بإدانة أنفسنا.

حكاية صابر

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

عدد 1976

الجمعة 16 أيلول 1994

ولد صابر عام 1964 في إحدى البلدات العاملية في الجنوب اللبناني وفتح عينيه وهو يسمع بالاعتداءات الإسرائيلية على بلدته والجنوب بشكل عام، فتركت هذه الأعمال في نفسه جروحاً عميقة ومؤثرة. بداية مرحلة الطفولة كانت في إحدى ضواحي بيروت التي تسمى بالنبعة، كان لا يختلف عن جميع الأطفال في تلك المرحلة وكان يذهب إلى المدرسة، وعاش طفولة ولكنها غريبة بعض الشيء ففي الوقت الذي يلهو كل طفل بعلبة معينة أو اللعب مع جموع الصغار الآخرين كان هو يحمل جريدة ويحاول بعقله الطفولي أن يفهم ما استطاع من تلك الأخبار والصور المتناثرة في تلك الجرائد. سنة 1975 بدأت الحرب اللبنانية السيئة الذكر وبدأت مؤامرة تقطيع أوصال ذلك الوطن الذي كان إلى وقت قريب سويسرا الشرق، ومنارة الثقافة والعلم.

كان أبو صابر ومايزال الإنسان العامل الكادح الذي يعمل كل ما في وسعه من أجل سعادة أولاده صابر وثلاثة شباب آخرين وإبنة وحيدة. كان لا يبخل عليهم بشيء لأن هذا الأب أصلاً حرم من عطف الأبوين وهو لا يزال طفلاً وكان يتيم الأب والأم وعمره لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. كان لسان هذا الأب بأني سأحاول تعويض ما فقدته أنا من رعاية وسهر وسأعوضه إلى أولادي، بإذن الله تعالى تمجد اسمه. إنه نموذج لدلك الإنسان الذي قضى حياته كلها ولم يؤذ أحداً، لا يتحدث بسوء عن أحد ، إنه باختصار أبو صابر ونعم الأبوة والإنسانية أنت يا أبو صابر. أم صابر بدورها نموذج لتلك المرأة العاملية اللبنانية التي تضحي بكل شيء في سبيل سعادة بيتها وأطفالها إنها نموذج للأم المجاهدة وصاحبة القلب الطيب والابتسامة التي لا تفارق ثغرها، إنها باختصار أم، وأم جنوبية تحديداً. وسط هذا الجو العائلي الدافئ عاش صابر طفولته إلى أن كانت الحرب (التي أسأل الله أنها دهبت غير مأسوف عليها إلى غير رجعة) وكان الهلع والخوف والقلق.

بدأ مسلسل الهجرات المتتالية من بيروت إلى الجنوب ومن الجنوب إلى بيروت صابر نفسه لا يتذكر كم من المرات حمله أبواه هرباً به وبأخوته إلى مكان آمن. استمرت الأحوال هكذا حوالي 15 سنة عاش فيها صابر وعائلته كما جميع اللبنانيين حالات القلق والخوف والعنف. أراد والد صابر وأمه أن يكمل دراسته فهو أكمل مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية في إحدى مدارس برج حمود ومن ثم انتقلوا للعيش في أحد أحياء الضاحية الجنوبية (منطقة صفير). في تلك المرحلة أوائل الثمانينات تابع صابر دراسته كما أخوته الآخرين في إحدى مدارس بلدة برج البراجنة وأنهى المرحلة المتوسطة وانتسب إلى إحدى الثانويات الرسمية لدراسة مرحلة البكالوريا بقسميها الأول والثاي وبدأ صراع الحياة مع صابر إثر نيله لشهادة البكالوريا القسم الثاني – الفرع الأدبي فاختار صابر أن يدخل إلى سلك الجيش ليخدم الوطن الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر في هذه الحياة.

في تموز 1983 دخل إلى مدرسة الرتباء ليجري دورة تستمر 6 أشهر ومن ثم ينتقل إلى المدرسة الحربية ويدخل للدراسة فيها مدة 9 أشهر بعد أن أخد رتبة رقيب من مدرسة الرتباء ولكن القدر كان بالمرصاد فكانت أحداث شباط 1984 فترك صابر الجيش بعد أن تقدم باستقالته وحاول إعادة بناء حياته في المجتمع المدني عمل في عدة مجالات، ساعد والده في صناعة الأحذية فترة طويلة وانتسب إلى الجامعة اللبنانية – كلية الحقوق فرع العلوم السياسية والإدارية لمحبته بالأمور السياسية ومتابعة لما يجري في العالم، وذلك سنة 1986.

درس صابر السنة الأولى في الجامعة في ظل أوضاع أمنية مضطربة كانت تعيشها العاصمة اللبنانية فكانوا يدرسون يوماً وتعطل الدراسة في الجامعة 10 أيام نظراً للظروف الأمنية في ذلك الحين. أحس صابر داخل نفسه بأن الحياة تعانده أكثر من اللزوم، عبارة كان يرددها دوماً له في رسائل نسيب صابر المقيم في أميركا ويقول له” لا أدري يا صابر لماذا تعاندك الدنيا ولا أعرف سر هذا الحظ السيء الذي يلازمك يا أخي”.

صابر بدوره إنسان مؤمن بالله تعالى ولا يضجر من رحمة الله تعالى عملاً بالقول المعروف: إن بعد الصبر فرج.

استمر سوء الحظ ملازماً لصابر وفي سنة 1991 قرر أن يسافر إلى كندا حيث تعرفت عليه هنا لا طمعاً بمال ولا حباً بجاه ولكن لكي يكتشف عالماً آخر يختلف عما يعهده في لبنان والوطن العربي.

وصل صابر إلى كندا بصفة مهاجر في آذار 1991 وبعد أن تعرف على خطيبته آنذاك وحضرت قبله بستة أشهر وأجرت الأوراق اللازمة له وسافر بعدها بستة أشهر، ولكن الحظ السيئ لازمه في بلاد الصقيع والثلج.

أول عمل كان لصابر في هذه البلاد هو العمل في جلي الصحون في أحد المطاعم استمر عمله حوالي شهرين، إلى أن جاء يوماً ليطلع على برنامج عمله في الأسبوع القادم ففوجئ بعدم وجود اسمه على الجدول وعندما سأل المسؤول عنه قال له إني آسف فإدارة المطعم أوقفتك عن العمل، ولما سأل عن السبب قيل له بأن هذه الفترة من السنة شهري آذار ونيسان تعمد إدارة المطعم إلى تشغيل تلامذة كنديين خلال العطلة الصيفية لأن الدولة تدفع لهم أجورهم وليس إدارة المطعم.

صابر تضايق من هذا الأمر لأنه بحاجة للعمل لتأسيس منزل لكي يتسنى له الزواج. من ثم عمل في شركة للبلاستيك ولكن لسوء حظه أقفلت الشركة بعد أن أعلنت إفلاسها، بعد ذلك انتقل للعمل في سوق الخضار عند شخص من أصل عربي جشع، لا يهمه في هذه الدنيا إلا تجميع المال فكان يعمل عنده حوالي 12 ساعة كل يوم على مدى 6 أيام في الأسبوع بأجر أسبوعي رمزي يكاد لا يكفي أجرة المواصلات. بعد ذلك عمل لدة أسبوع في أحد الأفران لأنه عمل بالنيابة عن شخص كان غائباً لمدة أسبوع، وانتقل بعد ذلك إلى العمل في قطف الفطر . عمل هناك 4 أيام، ومن ثم عمل 9 أشهر في شركة للتنظيفات. و9 أشهر أخرى في شركة لقطع السيارات أوقفته عن العمل أيضاً. حتى يومنا هذا يشعر صابر بأن الحياة تعانده أكثر من اللزوم وتعطيه دوماً الحظ السيء في أي عمل يقدم عليه، ولكنه يقول لي دائماً الحمد لله رب العالمين على كرمه فقد أعطاني الله زوجة صالحة وابن عمره الآن سنتان وهذه أكبر نعمة من الله تعالى، يكفي أنه يفاخر دوماً برضى والديه الدائم عليه.

صابر يذهب الآن إلى المدرسة خمس ساعات يومياً لكي يقوي لغته الإنكليزية وما زال يبحث عن عمل حتى يومنا هذا، ويقول لي إن كل شركة ربما في وندسور يملك فيها طلب للعمل ولكن دون جواب.

لا أعلم هل أن الحياة تعاند شخصاً ما كما هي حالة صديقي صابر أم أن المسألة هي فقط حظ سيء يلازم الإنسان ويقولون له الأفضل أن تصبر، ولكن عندنا في لبنان مثل يقول: بعد الصبر يوجد المجرفة والقبر !!

أرجو ان تكون المسألة مسألة حظ، وحظ سيء فقط!!

واقعنا في الغربة

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

الجمعة 9 أيلول 1994

العدد رقم 1975

 قال لي بلغة ملؤها الثقة بالنفس: يا صديقي حتى تعيش حياة هانئة وتحصل على عمل جيد في كندا يجب عليك أن تخطو الخطوة الأولى، سألته أن يتفضل مشكوراً ويقول لي عن الخطوة الأولى هذه؟

قال لي يا صيدقي: أول خطوة في هذه البلاد هي أن تغيّر إسمك!! للوهلة الأولى لم أستوعب ما قاله هذا الصديق، ولكنه أصر على رأيه هذا، نعم اسمك يا صاحبي يجب أن تستبدله بإسم كندي حتى تسير الأمور على ما يرام. يا أخي هل هي المشكلة في الاسم العربي بشكل عام؟ مع الأسف الشديد لهذه الظاهرة المتفشية بين أوساط الجالية العربية هنا فتجد بأن اسم علي مثلاً تحول إلى ألكس ومحمد أو أحمد إلى مايك، جميل إلى جيمي، سهيل إلى سام  وعشرات الأسماء لا يتسع المجال إلى ذكرها الآن، لأن معظم أو النسبة الكبيرة من أبناء الجالية تعمد إلى تغيير الاسم أو ذكر أول ثلاثة أحرف من الاسم الأصلي وتحويله إلى اسم كندي أو أجنبي. إذا سلمنا جدلاً بصوابية هذا الأمر فهل فقط يبقى الاسم هو المشلكة؟

يا أخي هل أستطيع تغيير لون شعري وبشرتي ولون عيني؟ في غربتنا القاحلة هذه، يصيبني الألم وأنا أرى سيول المهاجرين العرب وهي تتدفع إلى هذه البلاد.

من يوقف هذه السيول؟

أستحلفكم بالله أن يجيب أحد على سؤالي هذا؟

ماذا نحصد هنا، فهنا الوحدة القاتلة المملة، والقلق الدائم على مصير الأطفال الذين يولدون هنا ولا يعرفون شيئاً عن تاريخ بلادهم وثقافتهم العربية والأصعب من ذلك كله أنهم لا يتحدثون بلغتهم الأم اللغة العربية.

الناس هنا تدفع الضرائب.

ضريبة البيع والشراء المتعارف عليها في هذه البلاد وتعرف بالتكس وضريبة أخرى وهي الأصعب والأقوى وهي ضريبة فقدان التواصل العائلي، وفقدان الترابط الأسري في مجتمع يسوده حب المادة ويتربع الدولار في قلوب الناس ويُنظر إليه على أنه سيد الموقف تخر له الناس ساجدة.

في خضم هذه المعمة التي نيعشها لا أحب أن أعطي صورة سوداء عن الجاليات العربية المنتشرة أينما ذهب وأنى حللت. في هذا المجال لابد من وجود من تسميهم الأديبة العربية غادة السمان وتطلق عليهم صفة (حزب أولاد الحلال) أوقل نعم يا أديبتنا المحترمة هم موجودون أينما كان ولكنهم مع الأسف الشديد قلائل جداً في مجتمعاتنا الاغترابية، إني أتحدث عن كندا بشكل عام والمدينة الكندية وندزور والتي أعيش فيها منذ أكثر من ثلاث سنوات وعدة أشهر.

في صورة موازية يوجد بين المجتمعات كذلك ما يحلو لحضرة رئيس جمعية المقاصد الإسلامية الأستاذ تمام سلام من إطلاق صفة حلوة عليهم وهم (حزب الأوادم)

فهؤلاء الأوادم موجودين في كل مجتمع وأعمالهم تشهد على وجودهم أكثر الله من هؤلاء الأوادم وأولاد الحلال بيننا سواء كنا في الوطن أو في الاغتراب.

بعض الناس، مع الأسف الشديد لقول هذا الكلام، تعيش على هامش الحياة ومنهم من يعتزل الناس عامة ويعيش لوحده لا يريد أن يتحدث مع أحد من العرب، لا يشارك أفراح أو أتراح الجالية وربما يجن جنونة إذا حصل أي شخص على رقم هاتفه من أحد ما ، لأنه يدفع إلى شركة التلفونات كل سنة مبلغاً معيناً ليبقى رقم هاتفه سرياً لكي لا يحصل عليه أحد. ما ينقصنا الكثير من المحبة والتعاضد في غربتنا هذه لنكون كذلك العضو الكامل الموحد ، كالقلب الواحد ترفده الشرايين جميعها بالدم لكي تستمر الحياة، ونكون جديرين بوجودنا على جميع المستويات في مجتمع جديد تلسعنا فيه نيران الغربة.

نعم يا فخامة الرئيس

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

رقم العدد 1974

الجمعة 2 أيلول 1994

أن يقف رئيس الجمهورية اللبناني إلياس الهراوي خطيباً في أول أب (أغسطس) 1994 بمناسبة عيد الجيش ويقول إن خيار لبنان هو مساندة المقاومة في الجنوب، شيء لم نعهد من قبل في مؤازرة الدولة بجميع أجهزتها للمقاومة التي تدافع عن كرامة الوطن وأبنائه في زمن التواقيع والزحف نحو العدو.

نعم هذا هو الموقف المطلوب من الدولة على جميع الأصعدة لكي نستحق وعن جدارة أن نطالب بحقنا الشرعي في استعادة جزء من أرضنا في الجنوب الغالي والبقاع الغربي.

نعم إنه الموقف الحازم والصريح من اللبناني الأول في نصرة الشعب المقاوم الذي يضحي بالغالي والنفيس في سبيل استعادة الحق المغتصب.

وحدها جبهة الجنوب تثير الرعب والهلع في صفوف العدو فيما الجبهات الأخرى تغط في نوم عميق منذ زمن طويل. تحية لك أيها الجنوب المقاوم.

تحية إلى كل صخرة في الجنوب الأبي يقف خلفها مقاوم مؤمن بقضيته العادلة وبحق شعبه في العيش الحر الكريم. نحن شعب نحب السلام ونؤمن به ولكن أي سلام؟ السلام المبني على العدالة على استعادة الحق المغتصب، من عدو شرس. السلام الذي نريده سلام الأحرار الشرفاء وليس سلام الإذلال والهوان.

إنه السلام الذي يشعر فيه المرء أنه سيد وحر على أرض وطنه. نعم يا فخامة الرئيس بوركت خطواتكم بدعم المقاومة ومؤازرتها لكي تمضي بجهادها العادل ضد إسرائيل التي تقصف بيتاً مدنياً أمناً في الزهراني فتقتل عشرة أشخاص وتجرح آخرين وأخيراً تعتذر وتقول إن إحدى طائراتها أخطأت الهدف وأصابت هذا المنزل إنها الوقاحة العدوانيه بعينها.

تحية إلى الأيدي المقاومة التي تضرب وتوجع المحتل.

إلى اللبنانيين في كندا

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

العدد 1968

الجمعة 22 تموز 1994

كانت كندا ولا تزال مكان استقطاب المهاجرين من جميع أنحاء العالم، وان العديد من هؤلاء المهاجرين من العرب الذين وفدوا إلى كندا منذ عقود طويلة.

المهم من هذا القول الإشارة إلى ضخامة وقدم الوجود العربي في كندا. وأحب أن آخذ وجود الجالية اللبنانية هنا، لاسيما أن مصادر الحكومة الكندية تقدر عدد اللبنانيين بحوالي ثلاثمائة ألف نسمة.

أتساءل بيني وبين نفسي، ماذا فعلنا كلبنايين أفراداً أو جماعات أو مؤسسات لتحقيق أي هدف كبير كان أم صغيراً وأحب أن أورد مثال عدم فتح السفارة الكندية في بيروت، فهل سمعنا بأن أي وفد من الجالية اللبنانية طالب وزارة الخارجية الكندية المعنية مباشرة بهذا الموضوع. قد يكون هناك مبادرات فردية ولكن هذا لا يكفي في موضوع مهم وحيوي كهذا. على صعيد آخر هناك موضوع لا يقل أهمية عن إعادة السفارة إلى بيروت، ألا وهو موضوع شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية والتي منعت منذ حوالي العشر سنوات من الإقلاع أو الهبوط في كندا ربما وبإشارة أميركية إلى كندا لكي تحذو كندا حذو الولايات المتحدة بعدم السماح لشركة طيران الشرق الأوسط باستخدام المطارات الكندية أسوة بالمطارات الأميركية.

أنا مواطن لبنان وأقيم في كندا منذ ثلاث سنوات ومن تاريخه وحتى هذه اللحظة لم أقرأ أو أسمع بأن أحداً قد طالب الحكومة الكندية بهذا الأمر فلماذا؟

وهل إننا فقط نهوى التفرق والخصام؟

إنه الواقع العربي المؤلم. نعيشه هنا بكل تفاصيله وينظر المرء إلى أوضاع الجاليات الأخرى. فتراها تركز على موضوع المؤسسات والنوادي تشد أزر بعضها ويلتقي أفرادها بشكل دائم مما يولد حالة من التعاضد والتكاتف. بينما نحن والكلمة تشمل هنا الوجود العربي بشكل عام نحضر إلى هذه البلاد ونصحب معنا خلافاتنا الطائفية والعشائرية وأحياناً العائلية ونأخذ دائماً من المجتمع الجديد الذي نعيش فيه الأشياء السلبية بينما نترك العلم والتكنولوجيا جانباً دون الاهتمام بهذا الموضوع، ولكن لا يستطيع المرء ان ينكر أو يتغافل عن شباب وشابات يتابعون دراستهم الجامعية والثانوية ويحققون أفضل النتائج، مما يشعرنا بالفخر والاعتزاز عندما نرى شباباً عرباً ولبنانيين مجتهدين متفوقين، وقد علمت مؤخراً بأن شاباً لبنانياً حصل على نتيجة رائعة في شهادة الثانوية العامة وهي أنه استطاع الحصول على أعلى العلامات على مستوى مقاطعة أونتاريو الكندية، إنه أمر مشرف ويرفع الرأس عالياً لهذا الجهد والاجتهاد والمثابرة.

فإلى المزيد من التعاون والتكاتف وأهم شيء المحبة لأن المحبة هي التي تكلل كل عمل بالتوفيق والخير.

“لائحة شندلر” والعرب

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن

رقم العدد 1966

8 تموز 1994

 قرأت في الأشهر الأخيرة وبشكل يومي ربما ما دار ويدور حول التعليق على فيلم (لائحة شندلر) لمخرجه ستيفن سبيلبرغ الذي عالج اشكاليات كثيرة، مما أهله للفوز بعدد لا بأس به من جوائر الأوسكار العالمية، وأحب أن أورد بأنه لا يوجد مجلة أو جريدة عربية تصل إلى هنا إلا وكتبت بالنقد والتعليق على هذا الفيلم، طبعاً بعض النقاد وصف الفيلم بالعادي جداً من ناحية التقنية والأشياء والمميزات السينمائية.

أحب أن أوضح هذه المسألة وهي الحرب أو سلاح الإعلام إذا جاز التعبير فهذا السلاح هو السلاح الواقعي الذي نعيشه اليوم ، وأحياناً الإعلام أفعل دوراً من استعمال المدافع والطائرات، لأنه أحياناً يستطيع أي خبر أن يأخذ الحيز الكافي من اهتمام الناس، فهل على سبيل المثال وجدت فكرة ما لإنتاج فيلم عربي بإمكانيات هائلة هي مجودة أصلاً إذا ما عرفنا بأن عدد لا بأس بهم من المنتجين في عاصمة السينما العالمية هوليوود هم من العرب ومن اللبنانيين تحديداً، إذن ربما الإمكانيات المادية موجودة والمخرج قادر على إنجاز عمل مميز موجود.

وطبعاً عندنا من الممثلين الذين وصلوا إلى مرحلة النجومية العالمية ما يكفي. إذن لماذا لا نفكر أو تراود أحدهم هذه الفكرة. لإنجازها والعمل على تحقيقها. فالسينما هي فن ونستطيع أن نخوض في هذا المجال ومن يدري فعلى الرغم من هذه الهجمة على كل ما هو عربي في هذه البلاد ربما نستطيع أن نغير هذه الصورة المشوهة والتي تصورنا كإرهابيين قتلة. وهنا تلعب وسائل الإعلام الدور الهدام والخاطئ، وأحب أن أعطي مثلاً بأنني مقيم في كندا منذ ثلاث سنوات، وشاهدت العديد من الأفلام التي تتناول العرب وفي أقنية تلفزيونية متعددة سواء الكندية أو الأميركية، ولكن النتيجة واحدة، هي تصوير العربي على أنه قاتل أو يلهث وراء النساء وأمور الخمر وما إلى ذلك من أمور مؤذية ومضرة بحقنا جميعاً كعرب، ومع الأسف الشديد لأن الشعوب الغربية بشكل عام مُسير فهو يصدق كل كلمة تقال له حتى ولو كان يدرك بأن هذا الأمر كذب مئة بالمائة. المطلوب منا كعرب أن نقوي موقفنا ونُنشيء المؤسسات الكفيلة بتغيير الصورة المشبوهة التي يصورونها عن أنفسنا. والغريب في الأمر أنه إذا أردت أن تحاور على سبيل المثال شخصاً مقتنعاً بأن العرب إرهابيين أو قتلة وما إلى ذلك وتقول له بأني شخص عادي أو إنسان أدافع عن قضيتي أو وطني ، فإنه يقول ولكن شاهدت الفيلم كذا أ و قرأت في صحيفة ما الأمر التالي، مع الأسف الشديد الصورة التي تبرزنا بها وسائل الإعلام هنا هي صورة قاتمة وظالمة بحقنا.

المطلوب منا أن نعمل كل حسب طاقته في المدرسة وفي العمل في أي مكان نتواجد فيه لتغيير هذه الصورة عن شعبنا ومجتمعنا، فليكن كل منا سفيراً غير معلن لوطنه وبلاده. لعل وعسى نستطيع أن نغير قليلاً ما برح الإعلام ينعتنا به من أوصاف ونعوت. وبذلك نكون مرتاحي الضمير وأحب أن أوجه تحياتي إلى كل إنسان عربي حر في مشارق الأرض ومغاربها.

إلى التلميذ على مقعد دراسته مجتهداً مثابراً، وإلى كل عامل في ساحة جهاده اليومية وإلى كل أم ترضع طفلها حليب الحنان والحقيقة، إلى كل هؤلاء أقول بأنه لابد من بزوغ الفجر بعد هذا الليل المظلم الطويل.

قصة حياة

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث –  لندن

رسائل إلى المحرر

رقم العدد 1958

الجمعة 13 أيار 1994

 كان كل شيء يسير بشكل طبيعي عندما نقلت الطفلة (حياة) بواسطة سيارة الإسعاف إلى المستشفى على وجه السرعة في صبيحة ذلك اليوم البارد من شهر آذار الماضي، وذلك في ضاحية ديربورن بولاية ميشيغان الأميركية حيث يطغى الوجود العربي في هذه البلدة بشكل مميز.

ظنت أم الطفلة بأن الأمر عادي جداً وممكن لأي طفل أن يتعرض لما تعرضت له الطفلة والتي تبلغ من العمر سنة وستة أشهر. أخبروا الوالدة في المستشفى بأنها تستطيع أن تذهب إلى المنزل للراحة وأن تعود بعد ثلاث ساعات لاصطحاب الطفلة بعد أن تكون قد أخضعت للفحوصات الطبية، والأمصال وما إلى ذلك.

ولكن الأمور سارت بغير المتوقع واتصلت إدارة المستشفى بأم الطفلة تبلغها بضرورة الحضور على الفور، لأن حالة الطفلة بدأت بالتدهور وأبلغت المستشفى أهل الطفلة بأن حال استقرار وضع الطفلة فإنه سيتم نقلها إلى مستشفى آخر حديث بتجهيزاته، وفعلاً حضر فريق طبي بواسطة طائرة هليكوبتر تمهيداً لنقل الطفلة إلى مستشفى الآخر.

كانت الأعصاب مشدودة، والجو الحذر يسيطر علينا جميعاً ونحن ننتظر خارج غرفة العناية المركزة، إلى أن خرج طبيب أميركي من أصل عربي وبلغنا بأن قلب الطفلة معرض للتوقف ويبذل الأطباء مجهودهم لإنقاذ الطفلة والباقي على الله تعالى.

هنا تعالت الصرخات من الجميع وخصوصاً من الأم ولعل أصعب شيء على الإنسان أن يصف هذا المشهد الذي اختلط فيه البكاء والنحيب مع الدعاء إلى الباري عز وجل أن ينقذ الطفلة، لم يطل هذا الانتظار كثيراً حين خرج الطبيب المعالج وحوله جمهره من الأطباء والحزن يلف وجوههم. نظرت إلى عيني الطبيب وهو يفتح الباب، لقد عرفت النبأ المؤلم من عينييه المغرورقتين بالدموع، وقال بلغة إنكليزية تكاد تكون صامتة: آسف، الطفلة ماتت!!

صرخ الجميع بصوت واحد، خرج جميع الأطباء والممرضين والممرضات إلى باحة المستشفى ليشاهدوا لوعة الأم بفراق طفلتها، أحسست وكأن زلزالاً ما قد حدث. اختلط كل شيء الصرخات والآهات. كان المشهد مؤلماً إلى أقصى الدرجات، سبحانك يا الله يا كريم فأنت تعطي وأنت تأخذ.

كل من عرف الطفلة (حياة) كان يلاحظ تميزها وذكاءها. فقد كانت بالفعل طفلة مميزة، ولكن إرادة الباري تعالى أقوى وأمره محتوم.

وسط هذا الجو الحزين قررت العائلة إرسال جثمان الطفلة الفقيدة إلى لبنان لكي توارى الثرى في الأرض الطيبة هناك. وذهبت حياة إلى مثواها الأخير ولكن ذكراها باقية في أفئدة جميع من عرفها.

فسحة أمل

بقلم علي إبراهيم  طالب – وندسور

مجلة الحوادث – لندن

رسائل إلى المحرر

رقم العدد 1957

الجمعة 6 أيار 1994

 عندما يحزم الإنسان العربي حقائبه ويسافر إلى أي دولة من البلاد الغربية، ربما تكون معلوماته عن البلد الذي يقصده معلومات محدودة وتتعلق بالعموميات وليس بأمور الحياة اليومية ومسيرتها في البلد المقصود.

في الحقيقة ومنذ الحظة الأولى التي تطأ قدماك أرض الغربة، فإنك تستطيع أن تدرك وبإحساس ظاهر بأنك موجود الآن في مجتمع جديد غريب عنك، وهنا يأتي دور الإنسان نفسه فتبدأ في هذه اللحظة بالذات معاناة الإنسان العربي، فهو مخير، فإما الانخراط والذوبان الكلي في هذا المجتمع الغربي الجديد أو المحافظة والتشبث قدر الإمكان بالقيم والعادات العربية السامية.

فالفرد هنا إنسان مسير وليس مخيراً، فهذا المجتمع الجديد يحول الإنسان إلى آلة تعمل وفق أوامر محددة ومن دون أي اعتراض على ذلك.

فهنا يسود المجتمع الإستهلاكي ذو الطبيعة الرأسمالية، إنها الحياة المادية التي يحتل المال المركز المرموق في نفوس الناس، في هذا الجو تضيع المشاعر والقيم الإنسانية وبأسف شديد وسط هذه المعمعة.

من البديهي في هذا الجو النفسي الضاغط  يجد الإنسان العربي الذي هاجر إلى هذه البلاد، يجد نفسه وبأوقات كثيرة متتالية غريباً، هائماً عن بيئته الطبيعية التي تربى بها وفتح عينيه عليها، وتأتي مسألة مهمة هي طبيعة العمل وطبعاً اختلاف أنظمة وقوانين العمل عما نعهده في أوطاننا العربية، وإني أعتقد بأن مشكلة العمل هنا هي مشكلة المشاكل، ومن الطبيعي إذا لم يشعر المرء بالراحة في عمله ، لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية ، وبالتالي فسيكون انعكاساً سيئا ومؤثراً على نفسية وتفكير الفرد، وبالتالي ستنعكس على عائلته وما يرافق ذلك من أجواء عصبية ظاهرة تطال أفراد عائلة الفرد جميعاً.

تبقى قدرة الإنسان العربي وسط هذه الأجواء على ممارسة حياته مرهونة بالعلاقات التي تربط الناس ببعضها، فالعلاقات الاجتماعية تحولت هنا وبكل أسف شديد إلى علاقات نفعية. وأتحدث هنا عن أوضاع الجالية العربية بشكل عام وفي ظل هذا الوضع الذي نعيشه أصبحت قيمنا وتقاليدنا العربية شيئاً من الماضي، وانقطعت الصلات بيننا كعرب حتى صلة القربى عند البعض أصبحت لا تعني لهم شيئاً. وإني أشعر بأسى ومرارة عميقين لهذا الوضع الذي وصلنا إليه ولكن هذه هي الحقيقة، والحق يجب أن يقال مهما كانت الظروف والأسباب.

هل إذا كان المجتمع الغربي مشتتاً ولا قيمة للعائلة عندهم يفترض بنا أن نقلدهم بذلك؟

هل إذا شاهدت أخاً عربياً من أي قطر عربي كان، وألقيت عليه السلام أو هو بادلني السلام تكون نهاية العالم؟ لنعود جميعاً إلى أصالتنا وتاريخنا الغني، ربما نرى طيبة ومحبة الشعب العربي الموجود خارج أوطانه، فنلعالج الكره بالمحبة والعداوة بالتسامح، أليس ذلك أفضل من تفرقنا المؤلم المحزن؟!

 

على الخير والمحبة  والسلام استودعكم  الله   ولقاؤنا  معكم  يتواصل  من خلال هذا الموقع    والى اللقاء القريب  ان شاء الباري  عز وجل  تمجد اسمه   الكريم  .  

علي ابراهيم طالب    وندسور كندا 
 
     للتواصل مع الكاتب عبر البريد الالكتروني : visionmag64 @Gmail.com
   FACEBOOK PAGE :ALI  IBRAHIM  TALEB       الصفحة الشخصية على موقع الفيس بوك

     13  أذار 2012

رحلة في حلم

بقلم علي إبراهيم طالب

مجلة الحوادث – لندن رسائل إلى المحرر – عدد 1948 الجمعة 4 آذار 1994

جريدة المرآة – مونتريال – العدد 308 الأربعاء 9 نيسان 1997

——————————————-

 أقلعت بنا الطائرة من مطار وندسور في الساعة الحادية عشرة تماماً، ووصلنا إلى مطار تورنتو الدولي عند الثانية عشرة تماماً. ساعة واحدة قضتها الطائرة الصغيرة التي تتسع لعشرين راكباً فقط.

كان لابد لنا من الانتظار حوالي ثلاثة ساعات في مطار تورنتو لكي تقلنا طائرة أخرى إلى مطار هيثرو في لندن وعند الثالثة والدقيقة العاشرة انطلقت بنا الطائرة الكندية تشق عنان السماء في رحلة مباشرة إلى لندن، استمرت على مدى ثماني ساعات كان معظمها فوق المحيط الأطلسي وكنا بين الفنية والأخرى ننظر عبر نوافذ الطائرة إلى تجمد مياه المحيط. كانت رحلة عادية جداً لا يقطع علينا جو الهدوء إلا صوت المذياع، يعلن مرة عن وجود منخفضات جوية، ومرة أخرى إسداء بعض النصائح للركاب.

في رحلتنا هذه وصلنا إلى مدرج مطار لندن وحطت بنا الطائرة مع ما يصاحب ذلك من تصفيق وصياح الركاب لوصول الطائرة بسلام إلى أرض المطار.

في المطار انتظرنا حوالي ساعة لكي نستقل الطائرة اللبنانية التي ستقلنا إلى بيروت. وكانت جاثمة على أرض المطار، ويا له من شعور مؤثر انتابني في تلك اللحظة لدى رؤيتي للطائرة. إنه شعور مليء بالحب والحنان إلى ما كل يمت إلى الوطن والتراب بصلة.

بعد لحظات صعدنا إلى الطائرة وأخذنا أماكننا، وبعد الترحيب من قائد الطائرة شارحاً وجهتنا، أي بيروت ، مقدراً المسافة بخمس ساعات. جلست في مكاني ولا أدري لماذا كانت أعصابي مشدودة. أفكار كثيرة جالت بخاطري، كيف سيكون اللقاء وهل حقاً سأرى الأهل والأصحاب والأحباب؟

خلال المرحلة الأخيرة من رحلتنا قضى معظم الركاب المسافرين وقتهم بين القراءة والنوم بينما تسمرت عيون الآخرين وأنا منهم إلى النظر عبر النوافذ إلى البلدان التي كانت الطائة تمر فوقها فيما صوت المضيفة يذكرنا فوق أي المدن نظير الآن.

استمر الحال على هذا المنوال إلى أن جاءنا صوت قائد الطائرة يعلمنا بأن الطائرة دخلت الآن الأجواء اللبنانية، في تلك اللحظة أحسست ان نبضات قلبي قد ازدادت. بشكل سريع، وشعرت أن أعصابي مشدودة كما لم أشعر من قبل في حياتي. الطائرة الآن فوق بيروت، بيروت حركة القلب الذي لا يهدأ. الناس في كل مكان. الشاطئ في صورته الرائعة. إنها بيروت قلب لبنان المعافى.

لحظات قليلة وكانت الطائرة تهبط على مدرج بيروت. وما أن لامست الطائرة أرض المطار حتى شعرت أن قوة رهيبة قد انتزعت قلبي من بين ضلوعي. كان تصفيق الركاب وصراخهم هذه المرة أقوى. ووسط هذا الجو اللطيف أخذت الطائرة مكانها وبدأ الركاب بالنزول. دخلنا جميعاً إلى باحة المطار وبعد الإجراءات العادية، خرجنا إلى باحة المطار الخارجية حيث كانت حشود المستقبلين تنتظر خروج المسافرين على التوالي.

خرجت وإذا بصوت يستقر في أذني، التفت إلى مصدر الصوت كانت أمي! بصوتها وحنانها الدافئين هي أول من استقبلني كانوا جميعهم بانتظاري. أخوتي، والدي ، الأقارب والأصدقاء ويا له من منظر أفاضت المشاعر الإنسانية النبيلة بأبهى صورة، ألمني جداً وهزني بعنف مشهد لم أتمالك نفسي فخرجت دموعي دون استئذان. إنه الحب، الوفاء، الطيبة كلها أشياء ومع الأسف الشديد تفتقدها في الغربة، في هذا المجتمع الغربي الذي يتحول فيه الإنسان إلى مجرد آلة همها الأوحد زيادة الإنتاج ولا شيء آخر، أو يصبح رقما في ملفات مصنع أو شركة، فيسألون عن رقمك ولا يسألون عن إسمك.

وأنا في هذا الجو المُشبع بالحنان والدفء إذا بجرس الهاتف يرن بشكل مرعب ومزعج فقمت على عجل وإذا بالجانب الآخر صوت يقول “لك اتصال هاتفي من لبنان”

آه … لم يكن ذلك إلا حلم جميل عشت خلاله لحظات حلوة.

بعد أن أنهيت الاتصال الهاتفي عدت إلى فراشي لعل وعسى أواصل متابعتي لمجريات رحلتي الشيقة التي كانت مع الأسف الشديد حلماً ، ولكن ما أجمله حلماً بديعاً.